نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٧٧ - ٣٩ القاضي التنوخي و قاطع الطرق
فتأمّلته، فلجزعي لم أعرفه، فقلت: لا و اللّه.
فقال: بلى، أنا عبدك ابن فلان الكرخيّ، بوّابك هناك، و أنا الصبيّ الذي تربيت في دارك.
قال: فتأمّلته، فعرفته، إلاّ أنّ اللحية قد غيّرته في عيني.
فسكن روعي قليلا، و قلت: يا هذا، كيف بلغت إلى هذه الحال؟ فقال: يا سيّدي، نشأت، فلم أتعلّم غير معالجة السلاح، و جئت إلى بغداد أطلب الديوان [١] فما قبلني أحد، و انضاف إليّ هؤلاء الرجال، فطلبت قطع الطريق، و لو كان أنصفني السلطان، و أنزلني بحيث أستحقّ من الشجاعة، و انتفع بخدمتي، ما فعلت بنفسي هذا.
قال: فأقبلت عليه، أعظه، و أخوّفه اللّه، ثم خشيت أن يشقّ ذلك عليه فيفسد رعايته لي، فأقصرت.
فقال لي: يا سيّدي لا يكون بعض هؤلاء أخذ منك شيئا.
قلت: لا، ما ذهب مني إلا سلاح رميته أنا في الماء، و شرحت له الصورة.
فضحك، و قال: قد و اللّه أصاب القاضي، فمن في الكار [٢] ممن تعتني به؟ فقلت: كلهم عندي بمنزلة واحدة في الغمّ بهم، فلو أفرجت عن الجميع.
فقال: و اللّه، لو لا أنّ أصحابي قد تفرّقوا ما أخذوه، لفعلت ذلك، و لكنّهم لا يطيعونني إلى ردّه، و لكني أمنعهم عن أخذ شيء آخر ممّا في السفن، ممّا لم يؤخذ بعد.
فجزيته الخير، فصعد إلى الشاطئ، و أصعد جميع أصحابه، و منعهم عن أخذ شيء آخر ممّا في السفن، ممّا لم يؤخذ، و ردّ على قوم أشياء
[١] يريد أنه أراد أن يتوظف في عمل حكومي.
[٢] الكار: مجموعة السفن المنحدرة من موضع واحد.