نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٨٣ - ١٣٦ حديث بهرام جور و ولده
الرئاستين، و اعترض ما حفظناه، فنخبره به.
فقصدنا ذات يوم إلى الشيخ، فقال: أنتم أدباء، و قد سمعتم، و لكم جدات [١] و نعم، فهل فيكم عاشق؟ فقلنا: لا.
فقال: اعشقوا، فإن العشق يطلق اللسان العييّ، و يفتح حيلة البليد و المخبّل [٢] ، و يبعث على التنظّف و تحسين اللباس، و تطييب المطعم، و يدعو إلى الحركة و الذكاء، و يشرّف الهمة، و إياكم و الحرام.
فانصرفنا من عنده إلى ذي الرئاستين، فسألنا عما أخذنا في يومنا ذاك، فهبنا أن نخبره، فعزم علينا، فقلنا: إنّه أمرنا بكذا و كذا.
قال: صدق و اللّه، تعلمون من أين أخذ هذا؟ قلنا: لا.
قال: إنّ بهرام جور [٣] كان له ابن [٤] ، و كان قد رشحه للأمر من بعده، فنشأ الفتى ناقص الهمة، ساقط المروءة، خامل النفس، سيّئ الأدب، فغمّه ذلك، و وكّل به المؤدبين، و المنجمين، و الحكماء، و من يلازمه و يعلّمه، و كان يسألهم عنه، فيحكون له ما يغمه من سوء فهمه، و قلّة أدبه.
إلى أن سأل بعض مؤدّبيه يوما، فقال له المؤدب: قد كنا نخاف سوء أدبه، فحدث من أمره، ما صيّرنا إلى اليأس من فلاحه.
[١] الجدات، مفردها جدة أي الغنى، قال أبو العتاهية:
إن الشباب و الفراغ و الجده # مفسدة للمرء أي مفسدة
[٢] المخبل: المفتون، و تطلق الكلمة ببغداد على المجنون فاقد العقل.
[٣] بهرام: اسم خمسة سلاطين من بني ساسان (المنجد) ، و بهرام جور أحدهم، و هو ابن يزدجرد ابن بهرام بن سابور ذي الأكتاف، رباه المنذر اللخمي ملك الحيرة، و ملك و هو ابن عشرين سنة، و دام ملكه ثماني عشرة سنة و أشهرا (الطبري ٢/٦٨-٨١) .
[٤] هو يزدجرد بن بهرام جور (الطبري ٢/٨١) .