نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٨٠ - ١٣٥ ما لمن ذاق ميتة من إياب
قبل الشدّة بأمر الحاج.
قلت: فما حاجتكما؟ قالا: نريد إنسانا يوقفنا على قبر عبيد اللّه بن سريج [١] .
قال: فنهضت معهما، حتى بلغت محلة ابن أبي قارة، من خزاعة، بمكة، و هم موالي عبيد اللّه بن سريج، فالتمست لهما إنسانا يصحبهما، حتى يوقفهما على قبره بدسم [٢] ، فوجدت ابن أبي دباكل، فأنهضته معهما.
فأخبرني ابن أبي دباكل، انّه لما وقفهما على قبره، نزل أحدهما عن راحلته، و هو عبد اللّه بن سعيد بن عبد الملك بن مروان، ثم عقرها، و اندفع يغني غناء الركبان [٣] بصوت طليل [٤] حسن:
وقفنا على قبر بدسم فهاجنا # و ذكّرنا بالعيش إذ هو مصحب [٥]
فجالت بأرجاء الجفون سوافح # من الدمع تستتلي التي تتعقّب
إذا أبطأت عن ساحة الخد ساقها # دم بعد دمع إثره يتصبّب
فإن تسعدا نندب عبيدا بعولة # و قلّ له منّا البكا و التحوّب [٦]
فلما أتى عليها، نزل صاحبه، فعقر ناقته، و هو رجل من جذام، يقال له: عبيد اللّه بن المنتشر، فاندفع يتغنى غناء [٧] الخلوات:
[١] أبو يحيى عبيد اللّه بن سريج (٢٠-٩٨) ، من أهل مكة، من أشهر المغنين في صدر الإسلام (الأعلام ٤/٣٤٨) .
[٢] دسم، بفتح الدال و سكون السين: موضع قرب مكة، به قبر عبيد اللّه بن سريج المغني (معجم البلدان ٢/٥٧٥) .
[٣] غناء الركبان: هو الحداء، و يسمى اليوم ببغداد: الركباني.
[٤] طليل: الحسن المعجب.
[٥] المصحب: المنقاد، و العيش المصحب: يريد به العيش الناعم الموافق للهوى.
[٦] التحوب: التوجع و الحزن.
[٧] في الأصل: عند.