نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٢٠ - ٥٧ عضد الدولة و إيمانه بالمنامات
و بينما أنا على ذلك، و قد مضت عليّ فيه ثلاثة أيام، أو أربعة، و لا شغل لي إلاّ البكاء على نفسي، و الحسرة على مفارقة الحياة، إذ دخل حاجب النوبة، فقال: أبو الحسين الصوفي [١] في الدار، منذ الغداة، يسأل الوصول، و قد اجتهدت به في الانصراف، فأبى إلاّ القعود، و ترك القبول، و هو يقول:
لا بدّ لي من لقاء مولانا، فإنّ عندي بشارة، و لا يجوز أن يتأخّر وقوفه عليها، و سماعه إيّاها، فلم أحبّ أن أجدّ به في المنع و الصرف، إلاّ بعد المطالعة و خروج الأمر.
فقلت له-على مضض غالب، و بصوت خافت-قل له: كأنّي بك، و أنت تقول قد بلغ الكوكب الفلاني، إلى الموضع الفلاني، و تهذي عليّ في هذا المعنى، هذيانا لا يتسع له صدري، و لا يحتمله قلبي و جسمي، و ما أقدر على سماع ما عندك، فانصرف.
فخرج الحاجب، و عاد متعجّبا، و قال: إمّا أن يكون أبو الحسين قد اختلّ، و إمّا أن يكون عنده أمر عظيم، فإنّي أعدت عليه ما قاله مولانا، فقال: ارجع، و قل له: و اللّه، لو أمرت بضرب رقبتي، لما انصرفت أو أراك، و متى أوردت عليك في معنى النجوم حرفا، فحكمك ماض فيّ، و إذا سمعت ما أحدثك به، عوفيت في الوقت، و زال ما تجده.
فعجبت من هذا القول، عجبا شديدا، مع علمي بعقل أبي الحسين، و شدّة تحقيقه، و قلّة تحريفه، و تطلّعت نفسي إلى ما عنده، فقلت: هاته.
فلمّا دخل، قبّل الأرض، و بكى، و قال: أنت و اللّه يا مولاي في عافية، و لا خوف عليك، اليوم تبلّ، و تستقلّ، و معي دلالة على ذلك.
[١] أبو الحسين الصوفي، عبد الرحمن بن عمر بن سهل الرازي، منجم عضد الدولة، ترجمته في حاشية القصة ٤/٤٤ من النشوار.