نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٠٧ - ٩٧ كلب يحرم نفسه من قوته و يؤثر صاحبه على نفسه
فنزلنا إلى موضع، فأكلنا، و شربنا.
فلما عمل الشراب، عمد إليّ، فشد يديّ إلى رجلي، و أوثقني كتافا، و رمى بي في واد، و أخذ كل ما معي، و تركني و مضى، و أيست من الحياة.
و قعد هذا الكلب معي، ثم تركني و مضى، فما كان بأسرع من أن وافاني، و معه رغيف، فطرحه بين يديّ، فأكلته، و لم أزل أحبو إلى موضع فيه ماء، فشربت منه، و لم يزل الكلب معي، باقي ليلي يعوي إلى أن أصبحت، فحملتني عيناي، و فقدت الكلب.
فما كان بأسرع من أن وافاني و معه رغيف، فأكلت، و فعلت فعلي في اليوم الأوّل.
فلما كان اليوم الثالث غاب عني، فقلت مضى يجيئني بالرغيف، فلم ألبث إلاّ أن جاء و معه الرغيف، فرمى به إليّ، فلم استتمّ أكله، إلا و ابني على رأسي يبكي.
فقال: ما تصنع هاهنا، و ما هي قصّتك؟و نزل فحلّ كتافي، و أخرجني.
فقلت له: من أين علمت بمكاني، و من دلّك عليّ؟ فقال: كان الكلب يأتينا في كل يوم، فنطرح له الرغيف على رسمه، فلا يأكله. و قد كان معك، فأنكرنا رجوعه، و لست أنت معه، فكان يحمل الرغيف بفيه، و لا يذوقه و يخرج يعدو، فأنكرنا أمره، فاتّبعته حتى وقفت عليك.
فهذا ما كان من خبري و خبر الكلب، فهو عندي أعظم مقدارا من الأهل و القرابة.
قال: و رأيت أثر الكتاف في يده، قد أثّر أثرا قبيحا.
فضل الكلاب على من لبس الثياب ١٩