نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٣١ - ٦٢ أبو سعيد القرامطي يبعث برسالة إلى المعتضد
فقال: أ تدري لم استدعيتك؟ قلت: لا.
قال: أنت رجل عربيّ، و من المحال إذا استودعتك أمانة أن تخفرها.
قلت: هو كذلك.
فقال: إنّي فكرت، فإذا لا طائل في قتلك، و في نفسي رسالة إلى المعتضد [١] ، لا يجوز أن يؤدّيها غيرك، فرأيت إطلاقك، و تحميلك إيّاها، إن حلفت أنّك إذا سيّرتك إليه، تؤدّيها.
فحلفت له.
فقال: قل للمعتضد، يا هذا، لم تخرق هيبتك، و تقتل رجالك، و تطمع أعداءك في نفسك، و تبعث في طلبي الجيوش، و أنا رجل مقيم في فلاة، لا زرع فيها و لا ضرع، و قد رضيت لنفسي بخشونة العيش، و العزّ بأطراف هذه الرماح، و ما اغتصبتك بلدا، و لا أزلت سلطانك عن عملك، و مع هذا، فو اللّه، لو أنفذت إليّ جيشك كلّه، ما جاز أن يظفر بي، لأنّي رجل نشأت في العسف [٢] فاعتدته، أنا و رجالي، لا مشقة علينا فيه، و أنت تنفذ جيوشك من الخيوش [٣] و الثلج و الريحان [٤] ، فيجيئون من المسافة البعيدة الشاقّة، و قد قتلهم السفر قبل قتالنا، و إنّما غرضهم أن يبلغوا غرضا من مواقفتنا ساعة، ثم يهربون، و إن هم هزموني، بعدت عشرين فرسخا، أو ثلاثين، و جلت في الصحراء شهرا أو شهرين، ثم كبستهم على غرّة، فقتلتهم، و إن كانوا محترسين، فما يمكنهم أن يطوفوا خلفي في الصحاري،
[١] المعتضد: أبو العباس أحمد: ترجمته في حاشية القصة ١/٧٣ من النشوار.
[٢] العسف: مجاهل الصحارى و البوادي.
[٣] الخيوش: مفردها خيش، راجع حاشية القصة ١/١٦٢ من النشوار.
[٤] الخيش و الثلج و الريحان: يعني بذلك حياة الترف و النعومة.