نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٩ - ١٢ القاضي أبو جعفر بن البهلول يكشف عن براءة الوزير ابن الفرات مما اتهم به
بالمدائن [١] ، لما جيء به للوزارة، فقام لي في حرّاقته [٢] قائما، و قال لي: هذا الأمر لك و لولدك، و سيبين لك ما أفعله من زيادتك في الأعمال و الأرزاق، ثم لقيته يوم الخلع عليه، بعد لبسه إيّاها، فتطاول [٣] ، فلما فعلت به، في أمر الوزير أيّده اللّه، ما فعلته، بحضرة أمير المؤمنين، عاداني، و صار لا يعير لي طرفه، و تعرّضت منه لكلّ بليّة، فكنت خائفا منه، حتى أراح اللّه منه، بتفرّد علي بن عيسى [٤] بالأمور [٥] ، و اشتغاله هو بالضمان [٦] ، و سقوط حاجتنا إلى لقائه، و ما لي إلى هذا الوزير-أيده اللّه-ذنب يوجب انقباضه، إلا أنّي أدّيت الوديعة التي كانت له عندي، و باللّه، لقد ورّيت عن ذكرها جهدي، و دافعت بما يدافع به مثلي، ممن لا يمكنه الكذب، فلما جاء ابن حمّاد، كاتب موسى بن خلف [٧] ، فأقرّ بها، و أحضر الدليل بإحضار
[١] المدائن: و تسمى الآن سلمان باك، لأن فيها قبر سلمان الفارسي، راجع حاشية القصة ١/١٨٤ من النشوار.
[٢] الحراقة، و جمعها حراقات و حراريق: هي في الأصل سفن فيها مرامي نار يقذف بها العدو، ثم أطلقت على سفن المعابر، و كان المترفون يتفننون في بنائها على صور الحيوان و الطير، راجع معجم المراكب و السفن في الإسلام لحبيب زيات، مجلة المشرق م ٤٣.
[٣] تطاول: تظاهر كأنه يريد القيام.
[٤] الوزير أبو الحسن علي بن عيسى بن الجراح، وزير المقتدر: ترجمته في حاشية القصة ١/١٤ من النشوار.
[٥] بشأن تفرد الوزير علي بن عيسى بالأمور، راجع تجارب الأمم ١/٥٩.
[٦] راجع تجارب الأمم ١/٥٩ و ٦٠.
[٧] موسى بن خلف: كان أثيرا عند الوزير ابن الفرات، أمينا على خاص أموره، و عند ما اعتقل الوزير ابن الفرات في السنة ٣٠٦ كان موسى بن خلف أحد الذين اعتقلوا معه، و سئل عن ودائع ابن الفرات فأنكر معرفته بشيء منها، و ادعى أنه كان يشرف على نفقات دار الوزير فقط، و شدد الوزير حامد بن العباس عليه في المسألة، و ضربه حتى مات تحت الضرب، و هو شيخ تجاوز التسعين (تجارب الأمم ١/٦٥) .