نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٦٩ - ٣٦ من إخوانيات الجاحظ
ممنوع من لذة الإغماض، قول الشاعر:
إذا هتف القمريّ نازعني الهوى # بشوق فلم أملك دموعي من الوجد
أبى اللّه إلاّ أن يفرّق بيننا # و كنّا كماء المزن شيب مع الشهد
لقد كان ما بيني زمانا و بينها # كما كان بين المسك و العنبر الورد
فانتظم وصف ما كنا نتعاشر عليه، و نجري في مودتنا إليه، في شعره هذا، و ذكرت أيضا، ما رماني به الدهر، من فرقة أعزّائي من إخواني الذين أنت أعزّهم، و يمتحنني بمن نأى من أحبائي و خلصائي الذين أنت أحبّهم و أخلصهم، و يجرّعنيه من مرارة نأيهم، و بعد لقائهم، و سألت اللّه أن يقرن آيات سروري بالقرب منك، و لين عيشي بسرعة أوبتك، و قلت أبياتا تقصر عن صفة وجدي، و كنه ما يتضمّنه قلبي، و هي:
بخدّي من قطر الدموع ندوب # و بالقلب مني مذ نأيت و جيب
و لي نفس تحت الدجى يصدع الحشا # و رجع حنين للفؤاد مذيب
و لي شاهد من ضرّ نفسي و سقمه # يخبّر عنّي أنّني لكئيب
كأنّي لم أفجع بفرقة صاحب # و لا غاب عن عيني سواك حبيب
فقلت لابن المدبّر: هذه رقعة عاشق، لا رقعة خادم، و رقعة غائب، لا رقعة حاضر.
فضحك، و قال: نحن ننبسط مع أبي عثمان إلى ما هو أرقّ من هذا و ألطف، فأمّا الغيبة، فإنّنا نجتمع في كل ثلاثة أيّام، و تأخّر ذلك لشغل عرض لي، فخاطبني مخاطبة الغائب، و أقام انقطاع العادة، مقام الغيبة.
معجم الأدباء ٦/٦٧