نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٧٦ - ٣٩ القاضي التنوخي و قاطع الطرق
فلمّا عدت من دير العاقول خرج علينا اللصوص في سفن عدّة بسلاح شاك [١] في نحو مائة رجل، و هو كالعسكر العظيم.
و كان معي غلمان يرمون بالنشّاب، فحلفت أنّ من رمى منهم سهما ضربته إذا رجعت إلى المدينة، مائتي مقرعة [٢] ، و ذلك إنّني خفت أن يقتل أحد منهم، فلا يرضون إلاّ بقتلي.
و بادرت فرميت بجميع ما كان معي، و مع الغلمان، من السلاح، في دجلة، و استسلمت طلبا لسلامة النفس.
و جعلت أفكّر في الطالع الذي خرجت به، فإذا ليس مثله ممّا يوجب عندهم قطعا، و الناس قد أديروا إلى الشاطئ، و أنا في جملتهم، و هم يضربون، و يقطّعون بالسيوف.
فلمّا انتهى الأمر إليّ، جعلت أعجب من حصولي في مثل ذلك، و الطالع لا يوجبه.
فبينا أنا كذلك، و إذا بسفينة رئيسهم قد دنت، و طرح عليّ [٣] كما صنع بسائر السفن، ليشرف على ما يؤخذ.
فحين رآني زجر أصحابه عنّي، و منعهم من أخذ شيء من سفينتي، و صعد بمفرده إليّ، و جعل يتأمّلني، ثم أكبّ علي يديّ يقبّلهما، و هو متلثّم.
فارتعت، و قلت: يا هذا، ما شأنك؟ فأسفر عن لثامه، و قال: أ ما تعرفني يا سيّدي؟
[١] السلاح الشاك: هو السلاح التام المعد للقتال.
[٢] المقرعة: العصا و الخشبة يقرع بها، راجع حاشية القصة ٤/١٢ من النشوار.
[٣] طرح عليه: يعني طرح على سفينته ما يمسك السفينة عن الحركة، و بعد ذلك يمد إليها لوحة تسمى: الدوسة، و هي التي يدوس عليها من أراد الوصول إلى السفينة، و هذه الكلمة لم تزل مستعملة في بغداد.