العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩٨ - حديث المجرّد
تمام اليد عندك أن لا تخرج من الدار حتى يؤهل لك هذا المال ضياعا. فاشتريت لي ضياع بعشرين ألف درهم، و دفع إليّ بقية المال.
فهذا الخبر الذي عاقني عنكم، فهلموا حتى أقاسمكم الضّياع، و أفرق فيكم المال قلنا له: هنأك اللََّه، فكل منا يرجع إلى نعمة من أبيه. فأقسم و أقسمنا فقال:
[فتكونون]أسوتي فيه. فقلنا: أما هذه فنعم. قال: فامضوا بنا إلى الجارية حتى نشتريها. فمشينا إلى صاحبها، و كانت جارية جميلة حلوة، لا تحسن شيئا، أكثر ما فيها ظرف اللسان و تأدية الرسائل، و كانت تساوي على وجهها خمسين و مائة دينار؛ فلما رأى مولاها ميل المشتري استام بها خمسمائة، فأجبناه بالعجب فحط مائة، ثم قال العباس: يا فتيان، إني و اللََّه أحتشم أن أقول بعد ما قلتم، و لكنها حاجة في نفسي، بها يتم سروري، فإن ساعدتم فعلت. قلنا له: قل قال هذه الجارية أنا أعاينها منذ دهر، و أريد إيثار نفسي بها؛ فأكره أن تنظر إليّ بعين من قد ماكس في ثمنها!دعوني أعطيه بها خمسمائة دينار كما سأل!قلنا له: و إنه قد حط مائتين. قال: و إن فعل. قال:
فصادفت من مولاها رجلا حرّا، فأخذ ثلاثمائة و جهزها بالمائتين! فما زال إلينا محسنا حتى فرق الموت بيننا.
حديث المجرّد
قال إسحاق بن إبراهيم: قال لي ابن وهب الشاعر: و اللََّه لأحدثنك حديثا ما سمعه مني أحد قط، و هو بأمانة أن يسمعه أحد منك ما دمت حيا. قلت: إِنََّا عَرَضْنَا اَلْأَمََانَةَ عَلَى اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبََالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهََا [١] قال: يا أبا محمد إنه حديث ما طنّ في أذنك أعجب منه!قلت: كم هذا التعقيد بالأمانة؟آخذه على ما أحببت! قال: بينا أنا بسوق الكيل بمكة بعد أيام الموسم، إذ أنا بامرأة من نساء مكة، معها صبي يبكي، و هي تسكته فيأبى أن يسكت، فسفرت، فأخرجت من فيها كسرة
[١] سورة الاحزاب الآية ٧٢.