العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٤ - زواج المأمون ببوران
و انني لا اتخلص منه إلا بشرح قصتي و أكشف له عن حالي، و علمت أني إن قلت له ذلك طالبني بمعرفة الموضع و المسير إليه، مع ما كان غلب عليه من الميل إلى النساء؛ فقلت لها: أ تأذنين في ذكر شيء خطر ببالي؟قالت: قل ما بدا لك. قلت: جعلت فداك، إني أراك ممن يقول بالغناء، و يعجب به و بالأدب و لي ابن عم هو أحسن مني وجها، و أشرف قدرا، و أكثر أدبا، و أعز معرفة، و أنا تلميذ من تلاميذه، و حسنة من حسناته؛ و هو أعرف الناس بغناء إسحاق!قالت: طفيلي و مقترح!لم ترض أن سمحنا لك ثلاثة أيام، حتى طلبت أن تأتي معك بآخر؟فقلت لها: جعلت فداك، ذكرته لتكوني أنت المحكمة، فإن أذنت و أردت ذلك و إلا فلا أذكره. فقالت: إن كان ابن عمك هذا على ما ذكرت فلا نكرة أن نعرفه، فقلت: هو و اللََّه أكثر مما وصفت!فقالت: إن شئت فالليلة الآتية ائت به.
ثم حضر الوقت فنهضت حتى وافيت منزلي، و إذا برسل الخليفة قد هجموا على منزلي و أصحاب الشرطة؛ فلما بصروا بي سحبت على ما بي بحالتي تلك، حتى انتهوا بي إلى الدار؛ فإذا المأمون جالس على كرسي وسط الدار، مغتاظ حرد [١] ؛ فقال:
أ خروجا عن الطاعة؟قلت: لا و اللََّه يا أمير المؤمنين، إنه كانت لي قصة أحتاج فيها إلى الخلوة. فأومأ إلى من كان واقفا فتنحّوا، فلما خلونا قلت: كان من خبري كذا و كذا، و فعلت و صنعت...
فو اللََّه ما فرغت من حديثها حتى قال: يا إسحاق، أ تدري ما تقول؟فقلت: إي و اللََّه!إني لأدري!فقال: ويحك!كيف لي مشاهدة ما شاهدت؟قلت: ما إلى ذلك سبيل!قال: لا بد أن تتلطف و توصّلني إليها؛ فهذا ما بقي لي صبر عنه!قلت: و اللََّه إني قد تفكرت في قصتها و فيما قدمت عليه من عصيانك، و علمت أنه لا ينجيني إلا الصدق و كشف الحال، و علمت أنك تطالبني به أشدّ مطالبة فقدّمت لها ذكرك، و وعدتني في أمرك بكذا و كذا. قال: أحسنت و اللََّه لو لا ذلك لنا لك مني كلّ مكروه!قلت: فالحمد للََّه الذي سلّم.
[١] الحرد: الغضبان.