العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٠ - زواج المأمون ببوران
بأحاديث حسان، و لقد كثر تعجبي من أن يكون أحد من التجار يحفظ مثل هذا، و إنما هذا من أحاديث الملوك، و ما لا يتحدّث به إلا عند ملك أو خليفة. فقلت:
جعلت فداك، كان لي جار ينادم بعض الملوك، و كان حسن المعرفة كثير الحفظ؛ فكان ربما تعطل عن نوبته التي كان يذهب فيها إلى دار صاحبه؛ لشغل يمنعه من ذلك، أو لأمر يقطع، فأمضى إليه، و أعزم عليه، و أصيّره إلى منزلي؛ فربما أخبرني من هذه الأحاديث شيئا، إلى أن صرت من خاصة أخدانه و ممن كان لا يفارقه؛ فما سمعت مني فمنه أخذته، و عنه استفدته. فقالت: يجب أن يكون هذا كذا. و لعمري لقد حفظت فأحسنت الحفظ، و ما هذا إلا لقريحة جيدة و طبع كريم. قال إسحاق:
و أخذنا في الشراب و المذاكرة: أبتدئ الحديث، فإذا فرغت ابتدأت هي في آخر، حتى قطعنا بذلك عامة الليل، و الندّ [١] و فائق البخور يجدّد، و أنا في حالة لو توهمها المأمون أو تأملها لاستطار سرورا و فرحا.
ثم قالت لي: يا فلان-و كنت قد غيرت عليها اسمي و كنيتي-و اللََّه إني لأراك كاملا، و إنك في الرجال لفاضل، و إنك لوضيء الوجه، مليح الشكل، بارع الأدب؛ و ما بقي عليك إلا شيء واحد حتى تكون قد برّزت و برعت. فقلت: و ما هو يا سيدتي، دفع اللََّه الأسواء عنك؟قالت: لو كنت تحرّك بعض الملاهي، أو تترنم ببعض الأشعار. فقلت: و اللََّه[إني كنت]قديما أشتهيه، و طالما كلفت به و حرصت عليه، فلم أرزقه و لا يعلق بي شيء منه؛ فلما طال عنائي به، و كلما تقدمت في طلبه كنت منه أبعد و عنه أذهب، تركته و أعرضت عنه، و إن في قلبي من ذلك لحرقة، و إني لمستهتر به مائل إليه، و ما أكره أن أسمع في مجلسي هذا من جيّده شيئا؛ لتكمل ليلتي و يطيب عيشي!قالت: كأنك قد عرّضت بنا. قلت: لا و اللََّه ما هو تعريض، و ما هو إلا تصريح؛ و أنت بدأت بالفضل، و أنت أولى من أتمّ ما بدأ به.
فقالت: يا جارية: عود. فأحضرت عودا، فأخذته، فما هو إلا أن جسّته حتى ظننت أن الدار قد سارت بي و بمن فيها، و اندفعت تغني، مع صحة أداء و جودة صوت.
[١] الندّ: ضرب من النبات يتبخر بعوده.