العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٩ - زواج المأمون ببوران
اقتدارها على النحو و معرفة أوزان الشعر؟ثم قالت: أرجو أن يكون ذهب عنك بعض ما كان من الحصر و الانقباض و الحشمة [١] . فقلت: إن شاء اللََّه لقد كان ذلك.
قالت: فإن رأيت أن تنشدنا من بعض ما تحفظ فافعل.
قال: فاندفعت أنشد لجماعة من الشعراء؛ فاستحسنت نشيدي و أقبلت تسألني عن أشياء في شعري كالمختبرة لي، و أنا أجيبها بما أعرف في ذلك، و هي مصغية إليّ، و مستحسنة لما آتى به؛ حتى أتيت على ما فيه مقنع؛ قالت: و اللََّه ما قصّرت و لا توهمت في عوام التجار و أبناء السوقة مثل ما معك؛ فكيف معرفتك بالأخبار و أيام الناس؟قلت: قد نظرت أيضا في شيء من ذلك. فقالت: يا جارية أحضرينا ما عندك. فما غابت عنا حينا حتى قدّمت إلينا مائدة لطيفة، قد جمع عليها غرائب الطعام السري؛ فقالت: إن الممالجة أول الرضاع، فتقدمت، فأقبلت أعذّر بعض التعذير، و هي معي تقطع و تضع بين يديّ، و أنا أغتنم ما أرى من ظرفها و حسن أدبها، حتى رفعت المائدة.
و أحضرت آنية النبيذ، فوضعت بين يديّ صينية و قدح و مغسل، و بين يديها مثل ذلك، و في وسط المجلس من صنوف الرياحين و غرائب الفواكه ما لم أره اجتمع لأحد إلا لوليّ عهد أو سلطان، و قد عبّى أحسن تعبئة، و هيّئ أحسن تهيئة. قال إسحاق: فتثاقلت عن الشراب لتكون هي المبتدئة، فقالت: مالي أراك متوقفا عن الشراب؟قلت: انتظارا لك، جعلت فداك!فسكبت قدحا آخر فشربت.
ثم قالت: هذا أوان المذاكرة، فإن المذاكرة بالأخبار و ذكر أيام الناس مما يطرب. قلت: لعمري إن هذا لمن أوقاته. فاندفعت، فقلت: بلغني أنه كذا و كذا... و كان رجل من الملوك يقال له فلان بن فلان... و كان من قصته كذا و كذا... ، حتى مررت بعدة أخبار حسان من أخبار الملوك، و ما لا يتحدث به إلا عند ملك أو خليفة؛ فسرّت بذلك سرورا شديدا، ثم قالت: و اللََّه لقد حدّثتني
[١] الحشمة: الحياء، و المسلك الوسط المحمود.