العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٥ - خبر الجعدين
و أخذت معي ألف دينار، و مطرف [١] خزّ؛ ثم خرجنا حتى أتينا بلاد كلب، فإذا الشيخ في نادي الحيّ، فسلمت عليه، فقال: و عليك السلام، من أنت؟فقلت: عمر بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي. قال: المعروف غير المنكور، فما الذي جاء بك؟قلت:
جئتك خاطبا، قال: أنت الكفء لا يرغب عن وصله، و الرجل الذي لا يردّ عن حاجته. قال: قلت: إني لم آتك لنفسي و إن كنت في موضع الرغبة، و لكنني أتيتكم لابن أختكم العذري. قال: و اللََّه إنه لكفء الحسب، كريم النسب؛ غير أن بناتي لم يعرفن هذا الحي من قريش.
قال: فعرف الجزع من ذلك في وجهي؛ فقال: أما إني أصنع في ذلك ما لم أصنعه قط لغيرك؛ أخيّرها في نفسها، فهي و ما اختارت. فقلت: خيّرها. فأرسل إليها:
إن من الأمر كذا و كذا، فالرأي رأيك.
فقالت: ما كنت لأستبدّ برأي دون رأي القرشي، خياري ما اختار. قال: قد ردّت الأمر إليك. فحمدت اللََّه و صليت على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، و قلت: قد زوجتها العذريّ[الجعد بن]مهجع. و أصدقتها عنه الألف دينار، و جعلت تكرمتها العبد و البعير و القبّة، و كسوت الشيخ المطرف، فسرّ به، و سألته أن يبني بها من ليلته، فأجابني إلى ذلك؛ فضربت القبة في وسط الحيّ، و أهديت إليه ليلا، و بت عند الشيخ في خبر مبيت، فلما أصبحت غدوت فقمت بباب القبة، فخرج إليّ و قد تبين الجذل فيه، فقلت: كيف كنت بعدي أبا مسهر؟قال: أبدت لي كثيرا مما كانت تخفيه يوم رأيتها. فقلت: أقم عند أهلك بارك اللََّه لك!ثم انطلقت إلى أهلي و أنا أقول:
كفيت الفتى العذريّ ما كان نابه # و مثلي لأثقال النّوائب يحمل [٢]
أما استحسنت منّي المكارم و العلا # إذا صرّحت أنّي أقول و أفعل
[١] المطرف: رداء او ثوب من خز مربع ذو اعلام.
[٢] النوائب: المصائب.