العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١١٩ - حديث الحسن بن هانئ مع الأسود
فخرجت عجوز من الخباء فقالت له: امض لشأنك، فإن قتيلها مطلول لا يودى، و أسير مكبول لا يفدى! فقالت لها: دعيه، فإنّ له مثل قولا غيلان:
و إن لم يكن إلا تعلّل ساعة # قليلا فإني نافع لي قليلها
فولّت العجوز و هي تقول:
و ما نلت منها غير أنك نائك # بعينيك عينيها و أيرك خائب
فنحن كذلك حتى ضرب الطبل للرحيل، فانصرفت بكمد قاتل، و كرب خابل، و أنا أقول:
يا حسرتا مما يجن فؤادي # أزف الرحيل بعبرتي و بعادي
فلما قضينا حجنا و انصرفنا راجعين، مررنا بذلك المنزل و قد تضاعف حسنه، و تمت بهجته؛ فقلت لصاحبي: امض بنا إلى صاحبتنا! فلما أشرفنا على الخيام، و صعدنا ربوة و نزلنا وهدة، إذا هي تتهادى بين خمس ما تصلح أن تكون خادما لأدناهنّ، و هنّ يجنين من نور ذلك الزهر.
فلما رأيننا وقفنا و قلنا: السلام عليكنّ. فقالت من بينهنّ: و عليك السلام، أ لست صاحبي؟قلت: بلى!قلن: و تعرفينه؟قالت: نعم!و قصت عليهنّ القصة ما خرمت حرفا.
قلن لها: ويحك!ما زوّدتيه شيئا يعلل به!قالت: بلى زوّدته لحدا ضامرا، و موتا حاضرا! فانبرت لها أنضرهنّ خدّا، و أرشقهنّ قدّا، و أسحرهنّ طرفا، و أبرعهنّ شكلا؛ فقالت: و اللََّه ما أحسنت بدءا، و لا أجملت عودا، و لقد أسأت في الردّ، و لم تكافئيه على الودّ: فما عليك لو أسعفته بطلبته، و أنصفته في مودّته، و إنّ المكان لخال، و إن معك من لا ينم عليك؟