العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١١٨ - حديث الحسن بن هانئ مع الأسود
و زلت، و استبطرت و أكملت، فلو جنّ إنسان من الحسن جننت؛ فلم أتمالك أن خررت ساجدا فأطلت من غير تسبيح.
فقالت: ارفع رأسك غير مأجور؛ لا تذمّ بعدها برقعا، فلربما انكشف عما يصرف الكرى، و يحلّ القوى، و يطيل الجوى، من غير بلوغ إرادة، و لا درك طلبة، و لا قضاء وطر؛ ليس إلا للحين المجلوب، و القدر المكتوب، و الأهل المكذوب! فبقيت و اللََّه معقول اللسان عن الجواب، حيران لا أهتدي لطريق، فالتفت إليّ صاحبي فقال: ما هذا الجهد بوجه برقت لك منه بارقة لا تدري ما تحته؟أ ما سمعت قول ذي الرمّة:
على وجه ميّ مسحة من ملاحة # و تحت الثياب العار لو كان باديا!
فقالت: أمّا ذهبت إليه فلا أبا لك، و اللََّه لأنا بقول الشاعر:
منعّمة حوراء يجري وشاحها # على كشح مرتجّ الروادف أهضم [١]
لها أثر صاف و عين مريضة # و أحسن إبهام و أحسن معصم
خزاعيّة الأطراف سعدية الحشا # فزاريّة العينين طائيّة الفم
... أشبه من قولك الآخر، ثم رفعت ثيابها حتى بلغت بها نحرها. و جاوزت منكبيها، فإذا قضيب فضة قد أشرب ماء الذهب، يهتز مثل كثيب نقا، و صدر كالوذيلة [٢] عليه كالرمانتين، و خصر لو رمت عقده لانعقد، منطوي الاندماج، على كفل رجراج، و سرّة مستديرة، يقصر فهمي عن بلوغ نعتها، من تحتها أرنب جاثم، جبهته أسد خادر، و فخذان مدملجان، و ساقان خدلّجان [٣] يخرسان الخلاخيل، و قدمان كأنهما لسانان.
ثم قالت: أعارا ترى لا أبا لك؟ قلت: لا و اللََّه، و لكن سبب القدر المتاح، و مقرّبي من الموت الذباح، يضيق على الضريح، و يتركني جسدا بغير روح!
[١] الاهضم: من خمص بطنه و لطف كشحه.
[٢] الوذيلة: المرآة.
[٣] خدلجان: ممتلئان.