العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٤ - خبر دعبل و صريع الغواني
و هي تسمعني، فقالت:
هذا قليل لمن دهته # بلحظها الأعين المراض
فأجبتها:
فهل لمولاي عطف قلب # أو للّذي في الحشا انقراض؟
فأجابتني فقالت:
إن كنت تبغي الوداد منّا # فالودّ في ديننا قراض [١]
قال دعبل: فلم أعلمني[قبلها]خاطبت جارية تقطع الأنفاس بعذوبة ألفاظها و تختلس الأرواح ببراعة منطقها، و تذهل الألباب برخيم نغمتها، مع تلاعة جيد [٢] ، و رشاقة قد، و كمال عقل، و براعة شكل، و اعتدال خلق؛ فحار و اللََّه البصر، و ذهب اللّب، و جل الخطب، و تلجلج اللسان، و تغللت الرّجلان؛ و ما ظنك بالحلفاء [٣] إذا دنت من النار؟ثم ثاب إليّ عقلي، و راجعني حلمي، فذكرت قول بشار:
لا يمنعنّك من مخدّرة # قول تغلّظه و إن جرحا
عسر النساء إلى مياسرة # و الصّعب يمكن بعد ما جمحا [٤]
هذا لمن حاول ما دون الطمع فيه اليأس منه، فكيف بمن وعد قبل المسألة، و بذل قبل الطلبة؟فقلت مسمعا لها:
أ ترى الزمان يسرّنا بتلاق # و يضم مشتاقا إلى مشتاق؟
فقالت مجيبة لي في أسرع من نفس:
ما للزّمان يقال فيه و إنما # أنت الزمان فسرّنا بتلاق!
قال دعبل: فلحظتها و مضيت و تبعتني، و ذلك في أيام إملاقي، فقلت: مالي إلا منزل مسلم صريع الغواني، فسرت إلى بابه، فاستوقفتها و ناديته، فخرج: فقلت له:
[١] أي مقارضة و مجازاة.
[٢] التلاعة: الطول.
[٣] الحلفاء: نبت اطرافه محددة كأطراف سعف النخل،
[٤] جمح الرجل: ركب هواه فلا يمكن ردّه.