المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٢٩ - ذكر طرف من
و فيها: عمّرت طرسوس على يدي أبي سليم، فخرج الخادم التركي و نزلها الناس [١].
أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال: أنبأنا أبو الحسين بن عبد اللَّه بن إبراهيم الزينبي قال:
حدّثنا محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدّثني أحمد بن زهير قال: حدّثني علي بن البربري قال: حدّثني أبي- و كان أوّل من سكن طرسوس حين بناها أبو سليم، و كان شيخا قديما- قال: كان يغازينا [٢] من الشام ثلاثة إخوة فرسان شجعان، و كانوا لا يخالطون العسكر، و كانوا يسيرون وحدهم، و ينزلون كذلك، فإذا رأوا العدو لم يقاتلوا ما كفوا، فغزوا مرة، فلقيهم الطاغية في جمع كثير، فقاتلوا المسلمين فقتلوا و أسروا، فقال بعضهم لبعض: قد ترون ما نزل بالمسلمين، و قد وجب علينا أن نبذل أنفسنا و نقاتل فتقدموا، و قالوا لمن بقي من المسلمين: كونوا وراء ظهورنا و خلوا بيننا و بين القتال نكفيكم إن شاء اللَّه تعالى. فقاتلوا فقهروا الروم، فقال ملك الروم لمن معه من البطارقة: من جاءني برجل من هؤلاء قدمته و بطرقته. فألقت الروم أنفسها عليهم فأخذوهم أسرى، لم يصب رجل منهم كلم، فقال ملك الروم: لا غنيمة و لا فتح أعظم من أخذ هؤلاء. فرحل بهم حتى نزل بهم القسطنطينية، فعرض عليهم النصرانية و قال:
إني أجعل فيكم الملك و أزواجكم بناتي. فأبوا عليه و نادوا: يا محمداه، فقال الملك: ما يقولون؟ قالوا: يدعون نبيهم، فقال لهم: إن أنتم أجبتموني/ و إلّا أغليت قدورا ثلاثة ١٤٨/ أ فيها الزيت، حتى إذا بلغت إناها ألقيت كل واحد منهم في قدر. فأبوا، فأمر بثلاث قدور فنصبت، ثم صبّ فيها الزيت، ثم أمر أن يوقد تحتها ثلاثة أيام يعرضون في كل يوم على تلك القدور، و يدعوهم إلى النصرانية، و إلى أن يزوجهم بناته، و يجعل الملك فيهم، فيأبون أن يجيبوه، و أقاموا على الإسلام، فنادى الأكبر، و دعاه إلى دينه فأبى، فناشده و قال: إني ملقيك في هذه القدر. فأبى فألقاه في قدر منها، فما هو إلا أن سقط فيها، فارتفعت عظامه تلوح، ثم فعل بالثاني مثل ذلك، فلما [رأى] [٣] صبرهم على ما فعل
[١] «الناس» ساقطة من ت. انظر: تاريخ الطبري ٨/ ٢٣٤.
[٢] في ت: «قال: تفارينا».
[٣] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.