المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢١٣ - ذكر طرف من أخبار المهدي و سيرته
المهدي و دفع الفرس إليه فأقبل الأعرابي على السرج يقتلع حليته، ففطن المهدي و قد أخذ حاجته فقدم إليه فرسه، و جاءت الخيل نحوه فأحاطت به و نذر بها الأعرابي فولى هاربا فأمر برده و خاف أن يكون فطن [١] به، فقال: خذوا ما أخذنا منكم و دعونا نذهب إلى حرق اللَّه و ناره، فقال المهدي: لا بأس عليك، فقال: ما تشاء جعلني اللَّه فداء فرسك، فضحك من حضره و قالوا: ويلك هل رأيت إنسانا قد قال هذا؟
قال: فما أقول؟ قالوا: قل جعلني اللَّه فداك يا أمير المؤمنين، قال: أو هذا أمير المؤمنين؟ قالوا: نعم، قال: و اللَّه لئن أرضاه هذا مني فما يرضيني ذاك فيه، و لكن جعل [اللَّه] جبريل و ميكائيل فداءه، و جعلني فداءهما. فضحك المهدي و استطابه و أمر له بعشرة آلاف درهم.
قال ابن [٢] عرفة: و بلغني أن المهدي لما فرغ من بناء عيساباذ [٣] ركب في جماعة يسيرة لينظر فدخله مفاجأة و أخرج من كان هناك من الناس، و بقي رجلان خفيا عن أبصار/ الأعوان، فرأى المهدي أحدهما و هو دهش ما يعقل، فقال: من أنت؟ فقال: ٩٧/ أ أنا أنا أنا، قال: ويحك من أنت؟ قال: لا أدري، قال: أ لك حاجة؟ قال: لا لا، قال:
أخرجوه أخرج اللَّه نفسه، فدفع في قفاه. فلما خرج قال لغلام له: اتبعه من حيث لا يعلم فسل عن أمره [و مهنته] [٤] فإنّي إخاله حائكا، فخرج الغلام يقفوه. ثم رأى الآخر فاستنطقه فأجابه بقلب جريء و لسان بسيط، قال: فما جاء بك إلى ها هنا؟ قال: جئت لأنظر إلى هذا البناء الحسن فأتمتع بالنظر إليه و أكثر الدعاء لأمير المؤمنين بطول المدة و تمام النعمة و نماء العز و السلامة، قال: أ فلك حاجة؟ قال: نعم، خطبت ابنة عمي فردني [أبوها] و قال: لا مال لك و الناس يرغبون في الأموال، و أنا بها مشغوف و لها وامق. قال: قد أمرت لك بخمسين ألف درهم، قال: جعلني اللَّه فداك يا أمير المؤمنين قد وصلت فأجزلت الصلة، و مننت فأعظمت المنة فجعل اللَّه باقي عمرك أكثر من ماضيه، و آخر أيامك خيرا من أولها، و أمتعك بما أنعم به عليك و أمتع رعيتك بك: فأمر
[١] كذا في الأصل، و في ت، و تاريخ بغداد: «أن يكون غمز به».
[٢] تاريخ بغداد ٥/ ٣٩٨.
[٣] عيساباذ: محلة كانت شرق بغداد منسوبة إلى عيسى بن المهدي، و باذ معناه: العمارة.
[٤] ما بين المعقوفتين: من ت.