المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٢٦ - ذكر طرف من
و كان الرشيد إذا حجّ حج معه مائة من الفقهاء و أبنائهم، و إذا لم يحج أحج ثلاثمائة رجل بالنفقة التامة و الكسوة الطاهرة، و كان يصلي كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا، إلا أن تعرض له علة، و كان يتصدق من صلب ماله في كل يوم ألف درهم بعد زكاتها [١]، و كان يقتفي أخلاق المنصور و يطلب العمل بها، إلا في بذل المال، و كان لا يضيع عنده إحسان محسن، و لا يؤخر ذلك، و كان يميل إلى أهل الأدب و الفقه، و يكره المراء في الدين، و يحب الشعر و الشعراء، و المدح و لا سيما من شاعر فصيح، فدخل عليه يوما مروان بن أبي حفصة فأنشده من قصيدة له:
و سدّت بهارون الثّغور فأحكمت * * * به من أمور المسلمين المرائر
و ما انفكّ معقودا بنصر لواؤه * * * له عسكر عنه تشظّى العساكر
فكلّ ملوك الروم أعطاه جزية * * * على الرغم قسرا عن يد و هو صاغر
إلى وجهه تسمو [٢] العيون و ما سمت * * * إلى مثل هارون العيون النّواظر
ترى حوله الأملاك من آل هاشم * * * كما حفّت البدر النجوم الزّواهر
إذا فقد الناس الغمام تتابعت عليهم * * * بكفّيك الغيوث المواطر
١٤٦/ ب/ على ثقة ألقت إليك أمورها * * * قريش كما ألقي عصاه المسافر
فطورا يهزّون القواطع و القنا * * * و طورا بأيديهم تهزّ المخاصر
ليهنكم الملك الّذي أصبحت بكم * * * أسرّته مختالة و المنابر
أبوك وليّ المصطفى دون هاشم * * * و إن رغمت من حاسديك المناخر
فأعطاه عشرة آلاف دينار و كساه، و أمر له بعشرة من رقيق الروم و حمله على برذون [٣].
و للرشيد أشعار حسان، منها: ما أخبرنا به عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: أخبرنا محمد بن موسى بن حسان قال: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن صالح قال:
حدّثنا عمي علي بن صالح قال: قال الرشيد في ثلاث جوار:
ملك الثلاث الغانيات عناني * * * و حللن من قلبي بكل مكان
[١] في ت: «بقدر زكاته».
[٢] في ت: «تشهو العيون و ما شهت».
[٣] انظر الخبر و أشعار مع زيادة فيها في: تاريخ الطبري ٨/ ٣٤٧- ٣٤٩.