المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٤٦ - ثم دخلت سنة أربع و أربعين و مائة
بالغداء، فأصابوا منه، ثم أمر به فرفع، فأقبل على عبد اللَّه فقال: يا محمد، قد علمت ما أعطيتني من المواثيق و العهود ألا تبغيني سوءا، و لا تكيد لي سلطانا. قال: فأنا على ذاك يا أمير المؤمنين. فلحظ أبو جعفر عقبة، فاستدار حتى قام بين يدي عبد اللَّه، فأعرض عنه، فاستدار حتى قام من وراء ظهره، فغمزه بإصبعه، فرفع رأسه، فملأ عينه منه، فوثب حتى جثا بين يدي أبي جعفر، فقال: أقلني يا أمير المؤمنين أقالك اللَّه. قال:
لا أقالني اللَّه إن أقلتك. ثم أمر بحبسه [١].
و في رواية: أن المنصور أتاه عبد اللَّه بن حسن، فجلس عنده، إذ تكلم المهدي فلحن، فقال عبد اللَّه: يا أمير المؤمنين، ألا تأمر لهذا من يعدّل لسانه، فأحفظ المنصور من هذا و قال: أين ابنك؟ قال: لا أدري. قال: لتأتيني به. قال: لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه. قال: يا ربيع، قم به إلى الحبس [٢].
و قيل: إن حبسه كان في سنة أربعين، فأقام في الحبس ثلاث سنين.
و لما حبسه جدّ في طلب ابنيه و بعث عينا له، و كتب معه كتبا على ألسن الشيعة إلى محمد يذكرون طاعتهم، و بعث معه بمال و ألطاف، فقدم الرجل المدينة، فسأل عن محمد، فذكر له أنه في جبل جهينة، فمضى إليه، فعلم حاله، ثم عاد إلى أبي جعفر، فكتب أبو جعفر إلى زياد بن عبيد اللَّه يتنجزه ما ضمن له من أمر محمد، فأعان زياد ٢١/ ب محمدا و قال له: اذهب/ حيث شئت، فما ينالك مني مكروه.
فبعث أبو جعفر من شدّ زيادا في الحديد، و أخذ جميع ماله، و وجد في بيت المال خمسة و ثمانين ألف دينار، و أخذ عماله، و شخص بالكل إلى أبي جعفر، فقال له زياد:
إن دماء بني فاطمة عليّ عزيزة [٣].
و استعمل أبو جعفر محمد بن خالد بعد زياد، أمره بالجد في طلب محمد، ثم استبطأه فعزله، و ولى رياح بن عثمان بن حيّان المدينة، و أمره بالجد في طلبهما، فخرج مسرعا، فقدمها يوم الجمعة لسبع ليال بقين من رمضان سنة أربع و أربعين و مائة [٤].
[١] انظر: تاريخ الطبري ٧/ ٥١٧- ٥٢٣.
[٢] انظر: تاريخ الطبري ٧/ ٥٢٤.
[٣] انظر: تاريخ الطبري ٧/ ٥٢٩- ٥٣٠.
[٤] انظر: تاريخ الطبري ٧/ ٥٣١- ٥٣٢.