المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٥٦ - ٧٥٩- عبد اللَّه بن المقفع
فيصير حجة، و يحسّن ما يشاء فيحسن، و يقبح ما يشاء فيقبح، أدبتهم أنفسهم، و رفعتهم هممهم، و أعلمتهم قلوبهم و ألسنتهم، فرفع اللَّه لهم أكرم الفخر، و بلغ بهم أشرف الذكر، و ختم لهم بملك الدنيا على الدهر، و افتتح دينه و خلافته منهم إلى الحشر، فمن دفع حقهم [١] خسر، و من أنكر فضلهم خصم، و دفع الحق باللسان أكبت للجنان.
و اجتمع ابن المقفع بالخليل بن أحمد فقال الخليل: علمه أكثر من عقله.
و كان ابن المقفع مع هذا يتهم في دينه، فروي عن المهدي أنه قال: ما وجدت كتاب زندقة قط إلا و أصله ابن المقفع.
و قد حكى المرتضى عن الجاحظ أنه قال: كان ابن المقفع و مطيع بن إياس و منقذ بن زياد يتهمون في دينهم.
قال المرتضى: و مرّ ابن المقفع ببيت نار للمجوس بعد أن أسلم، فتلمحه [٢] ثم قال:
يا بيت عاتكة الّذي أتعزل * * * حذر العدي و به الفؤاد موكل
إني لأمنحك الصدود و إنني قسما * * * إليك مع الصدود لأميل
و كان ابن المقفع قد كتب كتاب أمير المؤمنين لعبد اللَّه بن علي، و كتب فيه: و متى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد اللَّه فنساؤه طوالق، و دوابه حبس، و عبيده أحرار، و المسلمون في حلّ من بيعته. فاشتد ذلك على المنصور، فكتب إلى سفيان بن معاوية- و هو أمير البصرة- فقتله.
و روى أبو بكر الصولي: أن الربيع الحاجب قال: لما قرأ المنصور الإيمان الّذي كتبه ابن المقفع قال: من كتب هذا؟ فقيل: رجل يقال له عبد اللَّه بن المقفع يكتب ٢٧/ أ لعمّيك سليمان/ و عيسى ابني علي بالبصرة، فكتب إلى عامله بالبصرة: لا يفلتنك ابن المقفع حتى تقتله. فاستأذن يوما عليه مع وجوه أهل البصرة، فأخّر سفيان إذنه و أذن لمن كان معه قبله، ثم أذن له، فلما صار في الدهليز عدل به [٣] إلى حجرة، فقتل فيها،
[١] في الأصل: «فمن حقهم».
[٢] في ت: «فلمحة» و ما أثبتناه من الأصل.
[٣] «به» ساقطة من ت، و أثبتناها من الأصل.