المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٨٣ - و فيها أسست مدينة بغداد
و الزاهر، و ما في دواخل ذلك و رواضعه قد خرب خرابا فاحشا، و لم يترك النقض فيه جدارا قائما- و لا مسجدا باقيا، و أما ما بين باب البصرة و العتابين و الخلد و شارع الرقيق من الجانب الغربي فقد اندرس اندراسا كليا، و صار الجامعان بالمدينة و الرصافة متوسطين الصحراء بعد أن كانا في وسط العمارة.
و عرّفني بعض العارفين بأمر الحمامات في جانبي البلد عدد ما بقي منها في هذا الوقت و هي سنة عشرين و أربعمائة نحو مائة و سبعين حماما.
و أنني لأذكر و قد حضر/ عند جدي إبراهيم بن هلال في سنة اثنتين و ثمانين ٤٠/ ب و ثلاثمائة أحد ممن كان يغشاه، و جرى ذكر مدينة السلام في كبرها، فقال الرجل: لعل هذه الحال كانت قديما، فأما الآن فحدّثني فلان- و له- معرفة بالحمامات- أن جميع ما بقي منها نحو ثلاثة آلاف، فقال جدي: لا إله إلا اللَّه، كذا يكون الانقراض!؟ فإنّها أحصيت في زمان المقتدر، و قد فشا الخراب، فكانت تسعا و عشرين ألف حمام.
و لقد ورد كتاب ركن الدولة على أبي محمد المهلبي يقول فيه: بلغنا كثرة المساجد و الحمامات ببغداد، فيذكر لنا الموجود اليوم فكانت المساجد تتجاوز حدّ الإحصاء، و أما الحمامات سبعة عشر ألفا.
و قال ابن هلال: كنت أركب من داري في باب المراتب إلى دار معز الدولة بالشماسية في الأسواق و تحت الظلال و المحال و الدروب. و كذلك الجانب الغربي و الدور على دجلة و بساتينها متناهية و أقطارها [١] متباعدة و ما فيها دار يخلو من الأغاني و الدعوات، و جميع ما بقي من الحمامات في بغداد نيف و تسعون حماما.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا محمد بن العباس الخراز قال: حدّثنا أبو بكر الصولي قال: حدّثنا أبو خليفة قال: حدّثنا محمد بن سلام قال: سمعت أبا الوليد يقول: قال لي شعبة:
أدخلت بغداد؟ قلت: لا. قال: فكأنك لم تر الدنيا [٢].
أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: حدّثنا عبد العزيز بن علي
[١] في ت: «و أطيارها».
[٢] انظر الخبر في: تاريخ بغداد ١/ ٤٤- ٤٥.