المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٦٠ - ٧٦١- عمرو بن عبيد بن باب، أبو عثمان
يدنيه حتى أتكأه على فخذه، و تحفى به، ثم سأله عن نفسه و عن عياله يسميهم رجلا رجلا و امرأة امرأة، ثم قال: يا أبا عثمان، عظني. فقال: أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وَ الْفَجْرِ وَ لَيالٍ عَشْرٍ وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ، هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ، أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ وَ ثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ [١] إن ربك يا أبا جعفر لبالمرصاد. قال: فبكى بكاء شديدا كأنه لم يسمع تلك الآيات إلا في تلك الساعة، و قال: زدني. فقال: إن اللَّه قد أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها، و اعلم، أن هذا الأمر الّذي صار إليك إنما كان في يد من قبلك، ثم أفضى إليك، و كذلك يخرج منك إلى من هو بعدك، و إني أحذرك ليلة تمخض صبيحتها عن يوم القيامة. قال: فبكى و اللَّه أشد من بكائه الأول حتى جف جفناه. فقال له سليمان بن خالد: رفقا بأمير ٢٩/ أ المؤمنين، قد أتعبته اليوم فقال له عمرو: بمثلك ضاع/ الأمر و انتشر، لا أبا لك، و ما ذا خفت على أمير المؤمنين أن بكى من خشية اللَّه؟ عز و جلّ؟ فقال له أمير المؤمنين: يا أبا عثمان، أعني بأصحابك أستعن بهم. قال: أظهر الحق يتبعك أهله. قال: بلغني أن محمد بن عبد اللَّه بن حسن كتب إليك كتابا. قال: قد جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه. قال:
فيم أجبته؟ قال: أو ليس قد عرفت رأيي في السيف أيام كنت تختلف إلينا، إني لا أراه، قال: أجل، و لكن تحلف لي ليطمئن قلبي. قال: لئن كذبتك تقية لأحلفن لك بقية.
قال: أنت و اللَّه الصادق البر.
ثم قال: قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم تستعين بها على سفرك و زمانك.
قال: لا حاجة لي فيها. قال: و اللّه لتأخذنها. قال: و اللّه لا آخذها. فقال له المهدي:
يحلف أمير المؤمنين و تحلف؟! فترك المهدي و أقبل على المنصور و قال: من هذا الفتى؟ قال: هذا ابني محمد، هو المهدي و ولي العهد. قال: و اللّه لقد أسميته اسما ما استحقه عمله، و ألبسته لباسا ما هو من لبس الأبرار، و لقد مهدت له أمرا أمتع ما يكون به، أشغل ما يكون عنه. ثم التفت إلى المهدي و قال له: يا ابن أخي، إذا حلف أبوك حلف عمك، لأن أباك أقدر على الكفارة من عمك. ثم قال: يا أبا عثمان، هل من حاجة؟ قال: نعم. قال: و ما هي؟ قال: لا تبعث إليّ حتى آتيك. قال: إذا لا تأتيني.
[١] سورة: الفجر، الآية: ١- ١٣.