المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٠٤ - و فيها خلع المنصور عيسى بن موسى و بايع لابنه المهدي، فجعله ولي عهده
الولاية الكوفة و سوادها في زمن السفاح، فكان يكرمه و يجلسه عن يمينه و المهدي عن يساره، إلى أن عزم المنصور على تقديم المهدي في الخلافة عليه، فلما عزم على ذلك كلّم عيسى بن موسى في ذلك برقيق من الكلام. فقال عيسى: يا أمير المؤمنين، فكيف بالأيمان و المواثيق التي عليّ و على المسلمين في العتق و الطلاق و غير ذلك، ليس إلى ذلك سبيل، فلما رأى امتناعه تغيّر له [١] و باعده بعض التباعد، و أمر بالإذن للمهدي قبله، فكان يدخل فيجلس في مجلس عيسى، ثم يؤذن لعيسى فيدخل فيجلس دون ٥٠/ ب المهدي عن يمين المنصور/ أيضا، و لا يجلس عن يساره فيغتاظ من ذلك المنصور، و يبلغ منه، فكان يأمر بالإذن للمهدي، ثم لعيسى بن علي، ثم عبد الصمد بن علي، ثم عيسى بن موسى.
ثم صار الأمر إلى أوحش من ذلك بأن كان يكون في المجلس فيسمع الحفر في أصل الحائط، فيخاف أن يخرّ عليه الحائط، و ينتثر عليه التراب، و ينظر إلى الخشبة من سقف المجلس قد حفر عند طرفيها لتقلع فيسقط التراب على قلنسوته و ثيابه، فيأمر من معه من ولده بالتحول، و يقوم هو فيصلي، و يأتيه الإذن فيدخل على حالته و التراب عليه.
و قيل: إنه دسّ لعيسى بعض ما يتلفه، و نهض و خرج، فقال له بختيشوع: ما أجترئ على معالجتك بالحضرة، فاستأذن في الكوفة، فأذن له، و بلغت العلة من عيسى كل مبلغ حتى تمعّط شعره [٢].
و قد اختلفوا في نزول عيسى عن الخلافة للمهدي على خمسة أقوال:
أحدها: أنه قيل للمنصور: إنما يحبّ عيسى الخلافة لولده، فلو أوهمته قتله لنزل عن الخلافة فأخذ ولده بحضرته و قال للربيع: اختقه فلف [٣] حمائل سيفه على حلقه توهم أنه يخنقه. فلما رأى عيسى الجد قال: أشهدك أن نسائي طوالق و مماليكي أحرار، و كل ما أملك في سبيل اللَّه، و هذه يدي بالبيعة للمهدي.
و الثاني: أن الجند كانوا يؤذون عيسى إذا ركب و يسبونه، فشكاهم إلى المنصور، فقال إنهم قد أشربوا حبّ هذا الفتى، فبايع حينئذ للمهدي.
[١] في الطبري: «تغير لونه».
[٢] انظر: تاريخ الطبري ٨/ ٩- ١١.
[٣] «فلف» ساقطة من ت.