المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٤٧ - ٩٣٣- الخيزران جارية المهدي
محمد بن أبي الجهم/ قال: حدّثني علي بن الطويل قال: حدّثني سليمان بن محمد، عن الواقدي قال: دخلت يوما إلى المهدي فدعا بمحبرته و دفتره، و كتب عني أشياء حدثته بها، ثم نهض و قال: كن بمكانك حتى أعود إليك، و دخل إلى دار الحرم ثم خرج متنكرا ممتلئا غيظا، فلما جلس: قلت يا أمير المؤمنين خرجت على خلاف الحال التي دخلت عليها؟ قال: نعم دخلت على الخيزران فوثبت إليّ و مدّت يدها إليّ و خرقت ثوبي، و قالت: يا قشاش، و أي خير رأيت منك؟ و إنما اشتريتها من نخاس و رأت مني ما رأت و عقدت لابنيها ولاية العهد ويحك و أنا قشاش؟ قال: فقلت: يا أمير المؤمنين.
قال رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ): «إنهن يغلبن الكرام و يغلبهن اللئام» و قال: «خيركم خيركم لأهله و أنا خيركم لأهلي»،
و
قال: «خلقت المرأة من ضلع أعوج إن قومته كسرته».
و حدثته في هذا الباب بكل ما حضرني، فسكن غضبه، و أسفر وجهه، و أمر لي بألفي دينار، و قال: أصلح بهذه من حالك، و انصرفت، فلما وصلت إلى منزلي وافاني رسول الخيزران، فقال: تقرأ عليك ستي السلام، و تقول لك: يا عم قد سمعت جميع ما كلمت به أمير المؤمنين، فأحسن اللَّه جزاك، و هذه ألفا دينار إلا عشرة دنانير بعثت بها إليك لأني لم أحب أن أساوي صلة أمير المؤمنين و وجهت إليّ بأثواب [١].
أخبرنا ابن ناصر قال: أخبرنا أحمد بن علي البسري، عن أبي عبد اللَّه بن بطة قال: حدّثنا أبو علي بن الحسين بن القاسم قال: حدّثنا أبو الفضل بن الربعي قال:
حدّثني أبي قال: سأل رجل الخيزران حاجة ثم أرسل إليها بهدية فأجابته: إن كان ما وجهت به من هديتك ثمنا لرأيي فيك فلقد بخستني القيمة، و إن كان استزادة فقد استغششتني في المودّة و ردتها عليه.
و قد حكى نحوه أبو بكر الصولي فقال: لما ولي محمد بن سليمان البصرة أهدى إلى الخيزران مائة وصيف بيد كل وصيف [٢] جام من ذهب/ مملوء مسكا. فقبلت ذلك، ١٥٦/ أ و كتبت إليه: عافاك اللَّه إن كان ما وصل إلينا منك ثمن رأينا فيك، فقد بخستنا في القيمة، و إن كان وزن مثلك إلينا فظننا بك فوقه.
قال ابن الأعرابي: كتب المهدي إلى الخيزران و هي بمكة:
[١] انظر الخبر في: تاريخ بغداد ١٤/ ٤٣٠- ٤٣١.
[٢] «بيد كل وصيف» ساقطة من ت.