المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٠٤ - ثم دخلت سنة ثمان و خمسين و مائة
شيئا إلا تقدمت إليك فيه، و سأوصيك بخصال و اللَّه ما أظنك تفعل واحدة منها، و كان له ٩٢/ ب سفط فيه دفاتر، فكان لا يأمن/ على فتحه أحدا، فقال: انظر هذا السفط فاحتفظ به، فإن فيه علم آبائك، و انظر هذه المدينة و إياك أن تستبدل بها فإنّها مدينتك و عزك، و قد جمعت [١] لك فيها من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبلي، فإن حبس عنك الخراج عشر سنين كان عندك كفاية لأرزاق الجند و النفقات و عطاء الذرية و مصلحة الثغور، فاحتفظ بها فإنك لا تزال عزيزا ما دام بيت مالك عامر [٢]، و ما أظنك تفعل.
و أوصيك بأهل بيتك أن تظهر كرامتهم، و الإحسان إليهم، و توليهم المنابر، و تعطي الناس أعقابهم، فإن عزهم عزك و ذلهم ذلك، و انظر مواليك فأحسن إليهم و قربهم، و استكثر منهم، و إنهم مادتك لشدة إن نزلت بك. و أوصيك بأهل خراسان خيرا فإنّهم أنصارك و شيعتك الذين بذلوا أموالهم و دماءهم دونك أن تحسن إليهم، و تتجاوز عن مسيئهم، و تخلف من مات منهم في أهله و ولده، و إياك أن تبني مدينة شرقية فإنك لا تتم بناءها، و إياك أن تدخل النساء في مشورتك و أمرك.
ثم مضى المنصور إلى الكوفة فنزل الرصافة، ثم خرج منها فأهلّ بالحج و العمرة، و ساق معه الهدي و أشعره و قلده لأيام خلت من ذي القعدة، فلما سار منازل من الكوفة عرض له وجعه الّذي توفي فيه.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد المزكي، قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، قال: سمعت محمد بن سهل بن عسكر يقول:
بعث أبو جعفر الخشابين حين خرج إلى مكة، فقال: إن رأيتم سفيان الثوري فاصلبوه، قال: فجاء النجارون و نصبوا الخشب و نودي سفيان، و إذا رأسه في حجر الفضيل و رجلاه في حجر ابن عيينة. قال: فقالوا له: يا عبد اللَّه، اتّق اللَّه و لا تشمت بنا ٩٣/ أ الأعداء. قال: فتقدم إلى/ الأستار فأخذها ثم قال: برئت منه إن دخلها أبو جعفر. قال:
فمات قبل أن يدخلها- يعني مكة- فأخبر بذلك سفيان فلم يقل شيئا.
و في هذه السنة: توفي المنصور، و بويع لولده المهدي.
[١] تاريخ الطبري ٨/ ١٠٦.
[٢] في الأصل: «ما دام مالك بيته عامر» و ما أوردناه من ت و الطبري.