المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٦٠ - ٨٧٤- عيسى بن أبي عيسى، و اسمه ماهان، و كنيته أبو جعفر التميمي
الصندلي [١] قال: حدّثنا أبو حفص عمر بن ياسر العطار، عن بشر بن الحارث قال: كان أبو جعفر الرازيّ صديقا لسفيان الثوري، و كانت له معه بضاعة، و كان يكثر الحج، فكان إذا قدم الكوفة تلقاه سفيان من القنطرة، فإذا خرج إلى مكة شيّعه إلى النجف، فقدم سنة من السنين مدينة السلام، فاجتمع إليه الأضراء. فقالوا: يا أبا جعفر، تكلم لنا أمير المؤمنين فإنه قد ولى علينا رجلا يقطع أرزاقنا، و يسيء فيما بيننا و بينه، فلم يجبهم إلى شيء فبلغ ذلك سفيان، فتلقاه على القنطرة و شيّعه حتى جاوز النجف، و زاده في البر، فلما كان العام المقبل قدم أبو جعفر و هو يريد الحج، فاجتمع إليه الأضراء و كلموه بما كلموه به في العام الماضي، فرقّ لهم، فأتى باب الذهب فقال للحاجب استأذن لي على أمير المؤمنين فأخبره أن بالباب أبا جعفر الرازيّ، فأسرع الرسول أن أدخل، فدخل على المنصور، فأكرمه بغاية الكرامة، و جعل يسأله عن أحواله و يسأله هل له حاجة، فقال:
نعم، فقص عليه قصة الأضراء، فقال: يعزل عنهم كاتبهم، و ولي عليهم من أحبوا، ١١٧/ ب و نأمر لأبي جعفر بعشرة آلاف/ [درهم] [٢] لسؤاله إيانا هذه الحاجة، فلما صارت الدراهم بيده سقط في يديه، و علم أنه قد أخطأ، فجلس بسور القصر، ثم دعا بخرق و جعلها صررا، و فرقها على قوم، فنفض ثوبه و ليس معه منها شيء، فبلغ ذلك سفيان الثوري، فلما دخل أبو جعفر الرازيّ الكوفة توارى سفيان فطلبه، فلم يقدر عليه، و سأل عنه، فلم يدل عليه فانتقض عليه [٣] لذلك بعض إخوان سفيان فقال له: أ لك إليه حاجة؟ فقال: نعم، فقال: اكتب كتابا و ادفعه إليّ أوصله لك إليه، فكتب كتابا و دفعه إليه. قال: فصرت بالكتاب إلى سفيان، فإذا أنا به في غرفة و إذا هو مستلق على قفاه مستقبل القبلة، فسلمت عليه، و أظهرت الكتاب، و قلت: كتاب أبي جعفر الرازيّ، فقال: اقرأه، فقرأته، فقال لي: اكتب جوابه في ظهره. فكتبت:
بسم اللَّه الرحم الرحيم: و قلت: ما ذا أكتب؟ قال: أكتب لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ [٤] إلى آخر الآية ..، اردد إلينا بضاعتنا لا حاجة لنا في أرباحها. قال: فأتيته بالكتاب و الناس إذ ذاك متوافرون بالكوفة، فنظر في الكتاب، فأجمع رأيهم على أنهم يوجهون بكتابين إلى ابن أبي ليلى، و لا يعلمونه ممن الكتاب و لا من صاحب الجواب ليعرفوا ما عنده من الرأي، فوجهوا بالكتابين، فنظر فيهما، فقال:
[١] في ت: «الصيدلي».
[٢] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
[٣] «عليه» ساقط من ت.
[٤] سورة: المائدة الآية: ٧٨.