المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢١٢ - ذكر طرف من أخبار المهدي و سيرته
و لا قوة إلا باللَّه [اعتصمت باللَّه و توكلت على اللَّه لا حول و لا قوة إلا باللَّه] [١] العلي العظيم و في و كفي و شفي من الحرق و الغرق و الهدم و ميتة السوء». فلما قلتها دفع لي ضوء نار فقصدتها، فإذا بهذا الأعرابي في خيمة له، و إذا هو يوقد نارا بين يديه، فقلت:
أيها الأعرابي هل من ضيافة؟ قال: أنزل، فنزلت، فقال لزوجته: هاتي ذاك الشعير، فأتته به، فقال: اطحنيه، فابتدأت بطحنه، فقلت له: اسقني ماء، فجاء بسقاء فيه مذقة من لبن أكثره ماء، فشربت منها شربة ما شربت قط شيئا إلا و هو أطيب منه، قال:
فأعطاني حلسا له فوضعت رأسي عليه، فنمت نومة ما نمت [نومة] [٢] أطيب منها و ألذ، ثم انتبهت فإذا هو قد وثب إلى شويهة فذبحها، و إذا امرأته تقول له: ويحك قتلت نفسك و صبيتك إنما كان معاشكم من هذه الشاة فذبحتها فبأي شيء نعيش؟ قال: فقلت: لا عليك هات الشاة، فشققت جوفها و استخرجت كبدها بسكين في خفي فشرحتها ثم ٩٦/ ب طرحتها على النار فأكلتها، ثم قلت: هل عندك شيء أكتب لك فيه؟ فجاءني بهذه/ القطعة و أخذت عودا من الرماد الّذي كان بين يديه، فكتبت له هذا الكتاب و ختمته بهذا الخاتم و أمرته أن يجيء و يسأل عن الربيع فيدفعها إليه فإذا في الرقعة خمسمائة ألف درهم، فقال: لا و اللَّه ما أردت إلا خمسين ألف درهم، و لكن جرت بخمسمائة ألف درهم، لا أنقص و اللَّه منها درهما واحدا و لو لم يكن في بيت المال غيرها احملوها معه.
فما كان إلا قليلا حتى تكثرت [٣] إبله و شاؤه، و صار منزلا من المنازل تنزله الناس من أراد الحج من الأنبار إلى مكة، و سمي مضيف أمير المؤمنين المهدي.
أخبرنا عبد الرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرني أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال [٤]:
و خرج المهدي يوما إلى الصيد فانقطع عن خاصته، فدفع إلى أعرابي و هو يريد البول، فقال: يا أعرابي، احفظ عليّ فرسي حتى أبول، فسعى نحوه و أخذ بركابه، فنزل
[١] ما بين المعقوفتين: من هامش ت. و في تاريخ بغداد: «بسم اللَّه و باللَّه و لا حول و لا قوة إلا باللَّه، اعتصمت باللَّه و توكلت على اللَّه، حسبي اللَّه لا حول و لا قوة إلا باللَّه العلي العظيم».
[٢] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، أوردناه من بغداد.
[٣] في ت: «فما كان قليلا إلا تكترث إبله».
[٤] الخبر في تاريخ بغداد ٥/ ٣٩٨.