المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٥ - و في هذه السنة قتل أبو مسلم
فلما صدر الناس عن الموسم نفر أبو مسلم قبل [١] أبي جعفر فتقدمه، فأتاه كتاب بوفاة أبي العباس و استخلاف أبي جعفر، فكتب إلى أبي جعفر يعزّيه و لم يهنئه بالخلافة، و لم يقم له حتى يلحقه، فغضب أبو جعفر فقال لأبي أيوب: اكتب إليه كتابا غليظا. فلما أتاه كتاب أبي جعفر كتب إليه يهنئه بالخلافة. فقال يزيد بن أبي أسيد السلمي لأبي جعفر: إني أكره أن تجامعه في الطريق و الناس له أطوع، و ليس معك أحد فأخذ برأيه، فكان يتأخر و يتقدم أبو مسلم، و ما كان في عسكر أبي جعفر غير ستة أدرع، فمضى أبو مسلم إلى الأنبار، و دعا عيسى بن موسى أن يبايع له، فأبي عيسى، فقدم أبو جعفر فنزل الكوفة، فأتاه خروج عبد اللَّه بن علي إلى الأنبار، و عقده لأبي مسلم و قال:
سر إليه. فقال أبو مسلم: إن عبد الجبار بن عبد الرحمن، و صالح بن الهيثم يعيبانني فاحبسهما. فقال أبو جعفر: إن عبد الجبار على شرطي. و كان على شرط [٢] أبي العباس و صالح بن الهيثم أخو أمير المؤمنين من الرضاعة، فلم أكن لأحبسهما لظنك بهما. فقال: أراهما آثر عندك مني. فغضب أبو جعفر. فقال أبو مسلم: لم أرد كل هذا.
و قال رجل لأبي أيوب: إني قد ارتبت بأبي مسلم، يأتيه الكتاب من أمير المؤمنين فيقرأه، ثم يلوي شدقه، و يرمي بالكتاب إلى أبي نصر مالك بن الهيثم فيقرأه و يضحك [٣] استهزاء!؟ فقال أبو أيوب: نحن لأبي مسلم أشد تهمة منا لعبد اللَّه بن علي، إلا أنا نعلم أن أهل خراسان لا يحبون عبد اللَّه بن علي، و قد قتل منهم من قتل.
و كان أبو مسلم قد أصاب من عسكر عبد اللَّه بن علي متاعا كثيرا و جوهرا كثيرا، فبعث أبو جعفر مولاه أبا الخصيب/ ليحصي ذلك، فغضب و افترى عليه، و همّ بقتله، ٣/ ب فقيل له: إنما هو رسول. فلما قدم به أبو الخصيب على أبي جعفر أخبره [٤].
و قيل: إنما بعث إليه يقطين بن موسى بذلك، فقال أبو مسلم: يا يقطين، أمين على الدماء جائر في الأموال. و شتم أبا جعفر، فأبلغه يقطين، فكتب إلى أبي مسلم مع يقطين: إني قد وليتك مصر و الشام، و هي خير من خراسان، فوجّه إلى مصر من أحببت،
[١] في الأصل: «قتل أبي جعفر».
[٢] في ت: «و كان على شرطة أبي العباس» و ما أثبتناه من الأصل.
[٣] في ت: «و يضحكان»
[٤] انظر: تاريخ الطبري ٧/ ٤٨٢.