المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٧ - و في هذه السنة قتل أبو مسلم
قال جرير: و قد كان قيل له إنك تقتل أو تموت برومية. فظنها بلاد الروم. ثم قال:
إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [١] ذهبت و اللَّه نفسي بيدي. ثم جعل يخاطب نفسه و يقول:
يا أبا مسلم، فتح لك من باب المكايد في عدوك و صديقك ما لم يفتح لأحد حتى إذا دان لك من بالمشرق و المغرب، خدعك عن نفسك من كان يهاب بالأمس من ينظر إليك إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [٢].
ثم تمثل:
فهل من خالد إما هلكنا * * * و هل بالموت عند الناس عار [ (٣
فأقبل و تلقاه الناس و أنزله و أكرمه، و كان فيمن بعث إليه عيسى بن موسى، فحلف له بعتق كل مملوك له، و صدقة كل ما يملك، و طلاق نسائه، و قال: لو خيّر المنصور بين موت أبيه و موتك لاختار موت أبيه، فإنه لا يجد منك خلفا.
فأقبل معه، فلما دخل أبو مسلم المدائن قال لعيسى بن موسى: تدري ما مثلي و مثلك و مثل عمك؟ مثل ثلاثة نفر كانوا في سفر فأتوا على عظام نخرة، فقال أحدهم:
عندي طب إذا رأيت عظاما متفرقة ألفتها. فقال الثاني: و أنا إذا رأيت عظاما موصولة كسوتها لحما. فقال الثالث: و أنا إذا رأيت عظاما مكسوة لحما أجريت فيها الروح.
ففعلوا ذلك، فإذا الّذي أحيوه أسد، فقال الأسد في نفسه: ما أحياني هؤلاء إلا و هم على أن يميتوني أقدر. فوثب عليهم فأكلهم، و اللَّه ليقتلنّي و ليقتلن عمك، و ليخلعنك أو ليقتلنك.
و في رواية: أن أبا مسلم كتب إلى أبي جعفر: أما بعد، فإنّي اتخذت رجلا إماما، فحرّف القرآن عن مواضعه طمعا في قليل قد بغاة اللَّه عز و جل/ إلى خلقه، فكان كالذي ٤/ ب ولي بغرور، فأمرني أن أجرد السيف، و أن أرفع الرحمة و لا أقيل العثرة، ففعلت توطئة لسلطانك حتى عرفكم من كان يجهلكم، ثم استنقذني اللَّه بالتوبة، فإن يعف عني فقديما عرف به و نسب إليه، و إن يعاقبني فبما قدمت يداي، و ما اللَّه بظلام للعبيد.
[١] سورة: البقرة، الآية: ١٥٦.
[٢] سورة: البقرة، الآية: ١٥٦.
[٣] في ت: «و هل بالموت يا للناس من عار».