المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٩ - و في هذه السنة قتل أبو مسلم
أحب، فإن أبى أن يرجع فقل له: يقول لك أمير المؤمنين لست للعباس، و أنا بريء من محمد، إن مضيت مشاقا و لم تأتني، إن وكلت أمرك إلى أحد سواي، و إن لم أل طلبك و قتالك بنفسي، و لو خضت البحر لخضته، و لو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك، و لا تقولن له هذا الكلام حتى تيأس من رجوعه، و لا تطمع منه في خير.
فسار أبو حميد في مأمن من أصحابه ممن يثق بهم، حتى قدموا على أبي مسلم بحلوان، فدخل عليه أبو حميد، فدفع إليه الكتاب و قال له: إن الناس يبلغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله، و خلاف ما عليه رأيه فيك، حسدا و بغيا، يريدون إزالة هذه النعمة و تغييرها، فلا تفسد ما كان منك، و إنك لم تزل أمين آل محمد، يعرفك بذلك الناس، و ما ذخر اللَّه لك من الأجر عنده أعظم مما أنت فيه من دنياك، فلا تحبط أجرك، و لا يستهوينك الشيطان.
فقال له أبو مسلم: متى كنت تكلمني بهذا؟ فقال: لأنك دعوتنا إلى هذا و إلى طاعة أهل بيت النبي ( صلّى اللَّه عليه و سلّم )، و أمرتنا بقتال من خالف ذلك، و قلت: إن خالفتكم فاقتلوني.
فعند ذلك أقبل [١] أبو مسلم على أبي نصر فقال: يا مالك، أما تسمع ما يقول لي هذا، ما هذا بكلامه. فقال: لا تسمع قوله، فما هذا بكلامه، و ما بعد هذا أشد منه، فامض لأمرك و لا ترجع، فو اللَّه لئن أتيته ليقتلنك، و لقد وقع في نفسه منك شيء لا يأمنك [٢] أبدا. فقال أبو مسلم: قوموا. و أرسل إلى نيزك فقال: ما ترى؟ فقال: ما أرى أن تأتيه، و أرى أن تأتي الري، فتقيم بها، فيصير ما بين خراسان و الري لك، و هم جندك لا يخالفك أحد، فإن استقام لك استقمت له، و إن/ أبي كنت في جندك، و كانت ٥/ ب خراسان من ورائك، فرأيت رأيك.
فدعا أبا حميد فقال: ارجع إلى صاحبك، فليس من رأي أن آتيه. فقال: قد اعتزمت على خلافه. قال: لا تفعل. قال: ما أريد أن ألقاه. فلما آيسة من الرجوع قال له: ما أمره أبو جعفر أن يقوله. فوجم طويلا ثم قال: قم. فكسره ذلك القول و أرعبه.
و كان أبو جعفر قد كتب إلى أبي داود و هو خليفة أبي مسلم بخراسان حين اتهم أبا مسلم: إن لك إمرة خراسان ما بقيت. فكتب أبو داود إلى أبي مسلم: إنا لم نخرج
[١] في ت: «فاقتلوني، فأقبل أبو مسلم» و ما أثبتناه من الأصل.
[٢] في الأصل: «لأمتك أبدا» و ما أثبتناه من ت.