المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٤٧ - ثم دخلت سنة أربع و أربعين و مائة
و كان عند أبي جعفر مرآة يرى بها ما في الأرض جميعا، يقال إنها نزلت على آدم، و صارت إلى سليمان بن داود، ثم ذهبت بها الشياطين و بقيت منها بقية صارت إلى بني إسرائيل، فأخذها رأس الجالوت، فأتى بها مروان بن محمد، فكان يحكّها ثم يجعلها على مرآة أخرى فيرى [فيها [١] ما يكره، فرمى بها و ضرب عنق رأس الجالوت، فلما استخلف أبو جعفر طلبها، فأتي بها، فكان يرى] [٢] فيها محمد بن عبد اللَّه بن حسن، فيكتب إلى رياح: إنّ محمدا ببلاد فيها الأترج و الأعناب، فاطلبه بها، فيطلبه فلا يجده، فيكتب إليه أنه ببلاد فيها الجبال فلا يجده. و كان السبب: أن محمدا كان لا يقيم بمكان إلا يسيرا، فأخبر رياح أنه في شعب من شعاب رضوى، فاستعمل عمرو بن عثمان بن مالك، و أمره بطلبه، فخرج إليه بالخيل و الرجال، ففزع منهم محمد، فأحضر شدّا، فأفلت، و كان معه جارية و له منها ولد [٣]، فهربت الجارية، فسقط الصبي منها فتقطع، فقال محمد:
منخرق السّربال يشكو الوجى * * * تبكيه أطراف مرو حداد
شرّده الخوف فأزرى به * * * كذاك من يكره حرّ الجلاد
قد كان في الموت له راحة * * * و الموت حتم في رقاب العباد [٤]
و خرج رياح في طلبه، فرآه محمد قد جاء في الخيل، فعدل إلى بئر فوقف بين/ ٢٢/ أ قرنيها ليستقي الماء، فنظر إليه رياح فقال: قاتله اللَّه أعرابيا ما أحسن ذراعه! و لقيه مرة أخرى، فجلس محمد و جعل ظهره مما يلي الطريق، و سدل هدب ردائه على وجهه، فقال: رياح: امرأة رأتنا فاستحيت. و كان محمد جسيما عظيما آدم شديد الأدمة.
و طال على المنصور أمره و لم يقدر عليه، و قيل له: أ تطمع أن تخرج محمد و إبراهيم، و بنو حسن مخلّون!؟ و كانوا ثلاثة عشر رجلا.
و حبس معهم محمد بن عبد اللَّه العثماني و ولدين له، فلم يزالوا محبوسين حتى حجّ أبو جعفر سنة أربع و أربعين و مائة، فتلقاه رياح بالربذة فرده إلى المدينة، و أمر
[١] في ت: «فيرى منها».
[٢] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل و ما أثبتناه من الأصل.
[٣] في ت: «بني» و ما أثبتناه من الأصل.
[٤] انظر: تاريخ الطبري ٧/ ٥٣٤- ٥٣٥.