المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٣٠ - ذكر طرف من
بهم، و حفظهم لدينهم، ندم الملك و قال: فعلت هذا بقوم لم أر أشجع منهم، فأمر بالصغير فأدني منه فجعل يفتنه عن دينه بكل أمر فيأبى، فقام إليه علج من أعلاجه فقال:
أيها الملك ما تجعل لي إن أنا فتنته؟ قال: أ بطرقك، قال: قد رضيت، قال: فبما ذا تفتنه؟ قال: قد علم الملك أن العرب أسرع شيء إلى النساء، و قد علمت الروم أنه ليس فيهم [امرأة] [١] أجمل من ابنتي فلانة، فادفعه إليّ حتى أخليه معها، فإنّها ستفتنه، قال:
فضرب الملك بينه و بين العلج أجلا أربعين يوما، و دفعه إليه، فجاء به فأدخله مع ابنته، و أخبرها بالذي ضمن للملك [٢]، و بالأجل الّذي ضربه بينه و بينه، فقالت: له: دعه، فقد كفيتك أمره، فأقام معها نهاره صائما، و ليله قائما، لا يفتر من العمل، حتى مضى أكبر الأجل، فسأل الملك العلج: ما حال الرجل؟ فرجع إلى ابنته فقال لها: ما صنعت؟
قالت: ما صنعت شيئا هذا رجل فقد إخوته في هذه البلدة، فأخاف أن يكون امتناعه من أجل أخويه، كلما رأى آثارهما، و لكن استزد الملك في الأجل، و انقلني و إياه إلى بلد غير هذا البلد الّذي قتل فيه أخواه، فسأل العلج الملك فزاده في الأجل، أياما، و أذن له في ١٤٨/ ب خروجهما/، فأخرجهما إلى قرية أخرى، فمكث على ذلك أياما صائم النهار، قائم الليل، حتى إذا بقي من الأجل أيام قالت له الجارية ليلة من الليالي: يا هذا، إني أراك تقدس ربا عظيما، و إني قد دخلت معك في دينك، و تركت دين آبائي فلم يثق بذلك منها، حتى أعادت عليه مرارا، فقال لها: فكيف الحيلة في الهرب و النجاة مما نحن فيه؟
فقالت له: أنا أحتال لك و جاءته بدواب و قالت له: قم بنا نهرب إلى بلادك، فركبا، فكانا يسيران الليل و يكمنان النهار، و طلبا فخفيا، فبينما هما يسيران ذات ليلة سمع وقع حوافر [٣] خيل، فقالت له الجارية: أيها الرجل، ادع ربك الّذي صدقته و آمنت به أن يخصلنا من عدونا، فإذا هو بأخويه و معهما ملائكة رسل إليه، فسلّم عليهما و سألهما عن حالهما، فقالا له: ما كانت إلا الغطسة التي رأيت حتى خرجنا في الفردوس، و إن اللَّه أرسلنا إليك لنشهد تزويجك بهذه الفتاة. فزوّجوه إياها و رجعوا، و خرج إلى بلاد الشام، فأقام معها، و كانا مشهورين بذلك، معروفين بالشام في الزمن الأول. و قد قيل فيهما من الشعر ما أنسيته غير هذا البيت:
[١] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
[٢] في ت: «فأخبرها بالذي فارق عليه الملك».
[٣] «حوافر» ساقطة من ت.