إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار - إدريس الجعيدي - الصفحة ٧٢ - المقدمة
السفارة المغربية عندما امتنعوا عن الأكل لاعتبارات دينية (الأكل الحلال، و الأكل الحرام)، ففي باريس لم يكن هناك مشكل، لأن الحكومة الفرنسية المطلعة على أحوال و عادات العرب. استدعت بعض الضباط الفرنسيين العاملين بالجزائر للجلوس بجوار المغاربة لمساعدتهم «... ثم سرنا نحو القبة التي فيها الغداء، فدخلناها فالتفت إلينا كبير الدولة، و تكلم بلغته، فقال لي رجل من عسكره كان بقربي، إنه يقول لكم مرحبا بكم، و إنه وكلني بالجلوس معكم لأبين لكم الطعام الحلال عليكم من غيره، و وجدته يحسن اللغة العربية ...».
أما الحكومة البلجيكية على ما يظهر لن تنتبه إلى طبيعة ضيوفها المغاربة المتشبثين بالشريعة الإسلامية، و الذين امتنعوا عن مشاركتهم في الأكل، أثناء حضورهم حفلة غذاء أقامها الملك اليوبولد الثاني على شرفهم «... ثم أخذوا يخرجون بالطعام و أنواع الحلواء في أواني كبيرة، و يطوفون بها على من بالمائدة، فكل واحد يأخذ منها بمغرفة ما يريد و يضعه في الطبسيل الذي قدامه ... و هكذا حتى فرغ من الطعام، و نحن تناولنا من ذلك يسيرا من حلواء معقودة على الثلج مع غيرها من الحلواء
[١] كان وسق المواد الغذائية إلى أوربا، يفرض على السلطان المغربي أن يستشير الفقهاء و الأمناء و التجار في الإباحة و المنع، لأن المعاملة مع «الكفار» كانت بمثابة إعانة لهم على المسلمين مثلما ذكر صاحب الاستقصا. و كان مصدر بعض الهلع الذي كان يصيب التجار و خاصة السفير البريطاني بالمغرب هاي الذي كان يطلب تصدير الثيران إلى جبل طارق «و سمعنا أناسا لا عقل لهم و لا تجربة في هذا الأمر يقولون أن وسق الطعام حرام لبر النصارى و قائل ذلك من قلة عقله، لا يتنبه للكسوة الجديدة التي عليه كونها عملا بيد النصارى و رأسه الخارج منه هذا الكلام ملتف برزة من عمل النصارى ...
و يذهب لداره يشرب القهوة و الشاي الواردين من بلد النصارى، و السكة التي تحرث بها الأرض و صفيحة بهائمه و سيفه و مكحلة، كل ذلك وارد من بر النصارى، و من يقل ذلك جاهل و لا عقل له ... إن الله سبحانه جعل تحت سلطاتنا عددا كثيرا من المسلمين بالهند أربعين مليونا و لا نمنعهم من نعم الله ...» وثائق المخطوطات البريطانية ١٣٣/ ١٧٤ ...F .O النص العربي لمذكرة ٢٧ مارس ١٨٥٥ م.