إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار - إدريس الجعيدي - الصفحة ٢٠٢ - صفة طرق باريس و أحوال الخدمة
شطابتان من شعر على هيئة الشيطة التي يمسح بها الملف، و هما أكبر بكثير، و يجعل كل واحد برأس عصا و يدفع بهما الماء و هما منصوبتان أحدهما بجنب الأخرى طولا فترى الماء يجري قدامه، و إذا كان كبيرا و خرج منه شيء و بقي وراءه يتبعه آخر يدفعه بشطابتين كذلك، و لم أدر هل يوصله إلى مصرف خاص به أو إلى غير ذلك، و إذا ارتفع المطر و أخذت الأرض في الجفاف يرجعون إلى الرش و التنظيف في يوم واحد مرة أو مرارا، و هذا دأب هؤلاء ليلا و نهارا. و قيل لي ذات يوم إن الذباب لا يوجد في مدينة باريز، فقلت له و هل يتركون له شيئا من القاذورات التي ينزل عليها، مع أن براح ديارهم و غالب أسواقهم مقبية بالزاج، ثم تتبعت ذلك فلم أر شيئا منه في الدار التي كنا فيها، و لا في محل الطبخ، و لا في الزقاق، مع أن الوقت في نهاية الحرارة، عدا يوما واحدا رأيت فيه ذبابة واحدة في حانوت جزار، ما أنظفها و ما أظرفها، و براحها كالكاغد المورق بالألوان، و اللحم الذي يباع فيها يابس لا شيء فيه من البلل، و حين نقله من محل/ ١٥٢/ الذبح إلى الحوانيت يجعل في الخناشي كالسراويل، محافظة على النظافة، و الحوانيت التي يباع فيها اللحم، رأينا في حومة واحدة فندقا عظيما مربعا في طول ربعه أزيد من مائتي خطوة، و له أبواب كثيرة في كل ربع. و يقابله فندق آخر مثله لبيع اللحم أيضا، و ما عرفنا فيها شيئا من النعم المأكولات و المشروبات لأن كبير الدار التي كنا نازلين بها، مأمور بأن يأتي إلينا بجميع ما نطلبه منه من ذلك. و أصحابنا الذين في المطبخة يذبحون كل يوم شاة من الضأن و يوتى لهم بالدجاج كل يوم و الحوت، و ما يحتاجونه من الإدام، و يوتى لنا في كل صباح بالقهوة و الحليب و الزبدة و غير ذلك من الأشربة، كشراب اللوز و شراب أحمر قان يضاف مع الماء بنحو الثلثين منه و الثلث من الماء، و حضر هذا الشراب ذات يوم، فحين تناولت منه قيل لي سيقال للقاضي إنك تشرب معنا هذا الشراب، فقلت أو ليس فيه من بأس أو يشمله شيء من الالتباس، و تذكرت قول القائل:
فعندي ميزان يفرق بينها* * *و بين ذوات السكر لست بزاهق
[١] انظر شرحه في الملحق رقم: ٤.