إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار - إدريس الجعيدي - الصفحة ٨٥ - المقدمة
دار ضرب السكة بلندن
في نفس السياق فقد خصت الحكومة البريطانية السفارة المغربية بزيارة «لدار البانكة و ضرب السكة» قصد إطلاعهم على ما وصلوا إليه من تقنية ميكانيكية لضرب الليبرة الأنجليزية، و هذا يدخل بطبيعة الحال في إطار التنافس الذي كان قائما بين الأبناك الفرنسية و الأبناك الأنجليزية لاستقطاب المخزن المغربي لضرب عملته ببلادهم «.. و هي دار عظيمة كأنها مدينة مشتملة على ديار. و طرق دففها من الحديد ... فسألنا عن عددهم فقيل في هذه الدار من الكتاب ثلاثة آلاف، و ألف واحد من سائر الخدمة، ثم أوصلنا كبيرهم إلى مطبعة سكة الكاغد ...». العملة الورقية أثارت فضوله العلمي فخصها ببحث مستفيض و تتبع مراحل الطبع «.....
و حيث رآني كبيرهم أرصد دوران بعض النواعير و المجانبة في يدي، فأخبر أن هذه الدار يطبع فيها في كل يوم مليون من الإبرة ... هناك أوقفونا على بعض الكواغد زورها عليهم بعض من الفرنصيص، و تداولها أناس بالدفع، و عند رجوعها لدار المطبعة تفطن لها الكتاب من جهة النمروس لا غير ... و التاريخ لا زال لم يخرج من الدار، أخبروا به، وجدوا في طلب من زوره حتى وجدوه، و حكم عليه بالسجن ثلاثين عاما ...»، و هذا الإخبار يدخل هو الآخر في إطار المنافسة. كما حاولوا الأنجليز إبراز أهمية العملة الورقية و صعوبة تزويرها و إمكانية حرقها بعد أن تتقادم بحضور الكتاب و الأمناء ثم إعادة طبعها من جديد و هي تحمل أرقام الأوراق التي تم حرقها بدار المطبعة مرة أخرى. و هكذا، كما أطلعوهم على كيفية ضرب السكة الذهبية، غير أن المغاربة على ما يظهر استحسنوا السكة المعدنية التي ألفوها في بلادهم منذ قرون طويلة، خوفا من جهل العامة للعملة الورقية.
[١] ذكر الطاهر الفاسي في رحلته الإبريزية: ٣٥ «... و قد أحدثوا هذه السكة (الورقية) في القرب، و سبب إحداثه كما يقال، أن الدولة الأنجليزية بلغها عن بعض أجناس النصارى، يقولن إن دولة انجليز حصل لها ضعف و فلس مثلا، فاتفقوا على استعمال ذلك إظهارا للقوة دمرهم الله ...».