إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار - إدريس الجعيدي - الصفحة ٦٧
العمران
المدن الحديثة التي اكتشفها الجعيدي لأول مرة في حياته، لا تمت بصلة إلى المدن العتيقة التي تركها في المغرب، فهي مدن ذات شوارع فسيحة و مبلطة وسطها خاص لمرور العربات و الأكداش و الجانب الأيمن و الأيسر خاص بالراجلين، و مع امتدادها تنتشر أشجار مخضرة مصطفة بقصد استحسان المنظر، و بين كل شجرتين قطعة نحاسية قائمة برأسها فنار كبير يوقد ليلا «... لاشتغال أهل البلد بأمور دنياهم بالليل بكامله كأشغالهم بها بالنهار ...». و لكثرة النشاط التجاري و الاقتصادي و نقل السلع.
«... كأن الحرب مشتعلة بينهم و كل يجري حسب جهده و طاقته ... كأن المحلة دخلت البلاد ...»، و عند الفجر تقريبا تنطلق عملية تنظيف و كنس الشوارع من روث الخيل و الغبرة بالماء الذي يجري بسرعة، و كذلك الحال عند نزول المطر، لكون الطرق محدبة الشكل تنتهي إلى مجاري المياه، أما الأزبال المنزلية فلها أماكنها المعينة و هي مدن ذات بنايات عالية من أربع إلى سبع طبقات، نوافذها و شرفاتها مفتوحة نحو الخارج بدل الداخل كما كان سائدا في البناء المغربي، و عند ملتقى الطرق الأربعة توجد النافورات ذات المياه المتدفقة و بعض التماثيل المستعذبة، و بأسفل العمارات توجد المقاهي و المكاتب و الحوانيت التي تعرض التحف البديعة،
[١] مثلا «... باريس ذات الحسن الفريد، الجامعة لما تشتهيه النفس في الأرض على وجه ما تحب و تريد، إذ هي جنة الدنيا بلا منازع و مأوى الحكماء و العقلاء و النبلاء بلا معارض ...». رحلة الجعيدي:.
[٢] «... قيل لي ذات يوم الذباب لا يوجد في مدينة باريز، فقلت له و هل يتركون له شيئا من القاذورات التي ينزل عليها ... عدا يوما واحدا رأيت فيه ذبابة واحدة في حانوت جزار ما أنظفها و ما أظرفها ...»!، رحلة الجعيدي:.