إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار - إدريس الجعيدي - الصفحة ٣١٨ - الرجوع إلى بر الفرنصيص و التوجه منه للطليان
الدخول إلى مدينة باريس
و بعد مرور نصف ساعة من زوال شمس هذا اليوم، ركبنا في بابور البر قاصدين قاعدة باريس، فمر بنا أيضا على مزارع و أنهار و بساتين و أشجار، و لم يزل يقطع بنا تلك الأنهار و الأشجار و يمر بنا على القرى و الأمصار، حتى حطت المحبوبة النقاب، و رفعت عن محياها الجلباب، فأشرفنا على طلعتها مستبشرين، و نودي ادخلوها بسلام آمنين، و خرجنا من ضيق القبور إلى فضاء القصور و طابت الأنفس و انشرحت الصدور. و كان دخولنا إليها في الساعة السادسة و نصف من مساء اليوم المذكور. فاسترحنا من التعب مع أنه لم يمسنا- و الحمد لله- في ذلك نصب، و أنزلتنا الدولة الفرنصوية أيضا في أوطيل الذي كنا فيه عند مرورنا، و قامت بالضيافة أتم قيام على العادة من الاحترام و جزيل الإكرام.
و في يوم الأحد منتصف رجب ركبنا الأكداش في مسائه، و خرجت بنا إلى أطراف البلد فمررنا على أجنة ذات أشجار و أنهار و فلك جاريات، أسرت غزلانا و أقمار متكلم مع الحادي و أشير إليه بالنزول بشاطئ الوادي، بقصد الاستراحة هناك.
فجدير أن تجد يا لبيب مقصودك و مناك، فنزلنا هناك هنيئة من الزمان و سرحنا الأبصار في المرائي الحسان، و قلت عند نزولنا في هذا المكان.
بالله عرج على تلك الجنان و لا* * *تحيد عنها فما عليك من حرج
فلج معاهدها و اقصد حدائقها* * *ذات ابتهاج بقرب نهرها الهائج
[١] نفس الإعجاب عبر عنه الصفار في رحلته بالصفحة ٥٦ «... و اعلم أن هذه المدينة هي قاعدة بلاد الفرنسيين و أم حواضرهم، و كرسي مملكتهم و مسكن عظمائهم و منشأ قوانينهم، و شرائعهم، و دار علومهم بها يتفاخرون و بسكانها يتنافسون و بها و بأهلها في عوائدهم و آدابهم و حضارتهم، يأتنسونوهي مدينة عظيمة كبيرة، من كبار المدن المذكورة في الأقاليم ...».
[٢] ٦ غشت سنة ١٨٧٦ م.