إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار - إدريس الجعيدي - الصفحة ٢١٨ - فابريكات المدافع و الرماية بها
ثمن هذا المدفع فقيل أربع عشرة مائة ريال، فقيل: و كم معه من عمارة، فقال:
خمسون بقصد التجريب، و ما عداها فلها ثمن يخصها، فسئل عن ثمن الصغار، فقال: إن ذلك عند الباشدور الذي لهم بطنجة، و وجدنا مكينات هناك تدور، و كل واحدة جالس قبالتها رجل، قد ركب جزءا من أجزاء المدفع في محل و أحكم وثاقه، و هو يدور بدوران المكينة و بيده آلة/ ١٦٦/ من هند محددة الرأس، و هو يخرط بها تلك الآلة، كما يخرط الخراط العود بالحديد. ثم خرجنا من هذه الفابريكة، و توجهنا إلى الدار التي يتعلمون فيها الرماية، فدخلنا إليها فوجدنا فيها بيتا طويلا عريضا، و في جداره فرج مربعة مفتوحة يشرف منها على ربوة بعيدة، فيها أشجار، و جعل في أسفل تلك الربوة حفيرا أطول من قامة الإنسان، و فيه ألواح كبيرة مربعة من عود، يظهر من المحل الذي كنا فيه أن تربيعها قدر ذراع في مثله، و هي مصبوغة بالسواد، في وسطها بياض، تركب هذه الألواح في رؤوس عصي طويلة، يباشر تركيبها من يكون في ذلك الحفير، و ينصبها للرمي. و وجدنا أناسا بذلك البيت يرمون تلك الألواح من الفرج التي في جداره، و تكرر رميهم لها، فما أصابها واحد منهم، فناولني واحد منهم مكحلة بعدما عمرها من خزنتها، و أذنني في الرمي بها، فأخذتها فوجدت نيشان الخزنة ضعيفا جدا لا ينحصر به المرمي، فحين شايعت بها المرمى ظهر لي في رأي العين أن فورمة المكحلة أعظم من المرمي، و لعله من صغر النيشان و شكل الجعبة، فحين أخرجت المكحلة لم أصب ذلك المرمى، فلم
[١] في مكان الرماية الوطنيTir National جربت هذه الأسلحة أمام أنظار أعضاء السفارة المغربية.
M. A. E. R. B( ARCH. HIST. DIP ): ٨١٥.
[٢] تنبه الجعيدي إلى بعض عيوب هذه الأسلحة البلجيكية و هي في طور التجريب، و فضل الأسلحة التقليدية المغربية عليها، و هذا يفسر لنا أن الجنود المغاربة كانوا يفضلون المكاحيل القديمة المحلية على المكاحيل الأوربية الحديثة، كما يظهر من رسائل السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان بتاريخ غشت ١٨٦٢ م «... و أخبرت أنك كنت دفعت لمخازنية تطوان المكاحيل الرومية و لم تصلح لهم و طلبت أن تفرق عليهم هذه المكاحيل التي تعمل من الطريحية فقد أذناك في ذلك، فاجمع الرومية التي كنت فرقتها عليهم ...».