نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٨٢ - بعض ما دار بين المؤلف وأهل الشام
| يا سيدا أحرز خصل العلا | بالبأس والرأي الشديد السديد [١] | |
| ومن على أهل النّهى قد علا | بطبعه السامي المجيد المجيد | |
| ومن يزين الدهر منه حلى | قول نظيم كالفريد النضيد | |
| ومن صدا فكري منه جلا | نظم له القلب عميد حميد | |
| ومن له من يوم قالوا «بلى» | في مهجتي حبّ جديد مزيد [٢] | |
| ومن غدا بين جميع الملا | بالعلم والحلم الوحيد الفريد | |
| أفديك بالنفس مع الأهل لا | بالمال ، والمال عتيد عديد |
أقسم بالله الذي علت كلمته ، وعمت رحمته ، وسحرت القلوب والعقول رأفته ومحبته وجعل الأرواح جنودا مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ، أنني أشوق إلى تقبيل أقدام شيخي من الظمآن للماء ، ومن الساري لطلعة ذكاء [٣] ، وليس تقبيل الأقدام ، مما يدفع عن المشوق الأوام ، وقد كانت الحال هذه وليس بيني وبينه حاجز إلا الجدار ، إذ كان حفظه الله تعالى جار الدار ، فكيف الآن بالغرام ، وهو حفظه الله تعالى بمصر وأنا بالشام ، وليس غيبة مولانا الأستاذ عنا ، إلا غيبة العافية عن الجسم المضني ، بل غيبة الروح ، عن الجسد البالي المطروح ، ولا العيشة بعد فراقه ، وهجر أحبابه ورفاقه ، إلا ـ كما قال بديع الزمان ـ عيشة الحوت في البر ، والثلج في الحر ، وليس الشوق إليه بشوق ، وإنما هو العظم الكسير ، والنزع العسير ، والسم يسري ويسير ، وليس الصبر عنه بصبر ، وإنما هو الصاب [٤] والمصاب ، والكبد في يد القصاب ، والنفس رهينة الأوصاب [٥] ، والحين الحائن وأين يصاب ، ولا أعرف كيف أصف شرف الوقت الذي ورد فيه كتاب شيخي بخطه ، مزينا بضبطه ، بلى ، قد كان شرف عطارد ، حتى اجتمع من أنواع البلاغة عندي كل شارد ، وأما خطه فكما قال الصاحب ابن عباد : أهذا خط قابوس ، أم جناح الطاووس؟ أو كما قال أبو الطيب : [بحر الكامل]
| من خطه في كل قلب شهوة | حتى كأن مداده الأهواء |
[١] الخصل : إصابة الهدف.
[٢] يوم قالوا بلى : إشارة إلى الوقت الذي أخذ الله العهد على ذرية آدم فقال لهم : (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)(قالُوا بَلى) والقصة في القرآن الكريم في سورة الأعراف ١٧٢.
[٣] الساري : السائر ليلا. وذكاء : الشمس.
[٤] الصاب : شجر مر الطعم.
[٥] الأوصاب : جمع وصب ، وهو المرض والألم الدائم.