نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٦٠ - تاج الدين السبكي يقرظ كتاب نسيم الصبا
أزهارها عين ناظر ولا يد جان ، معان تطرب السمع لها حكم وأحكام ، وألفاظ هي الأرواح لا أرواح أجسام ، فلما ألقى فهمه عروة المتماسك ، وضاقت عليه في وصفه المسالك ، وعجز عن وصف بلوغ بلاغته ، عطف على حسن كتابته ، فرأى خطا يسبي الطرف ، ويستغرق الظرف ، نسج قلمه [١] الكريم من وشي البلاغة ديباجا ، واتخذ من محاسن الحسان طريقا ومنهاجا ، فألفى ألفات كاعتدال القدود ، ونونات كأهلّة السعود ، وسينات كالطرر ، ونقطا كالدرر ، جعل للأقلام حجة قاطعة على السيوف ، وحلّى الأسماع بحلية زائدة على الشنوف [٢] ، فعطف ساعة يطنب [٣] في دعائه وشكره ، وآونة يميل من طربه بألفاظه وسكره ، فلله در ألفاظك ودرر فضلك ، وأحسن بوابلك الهاطل بالبيان وطلّك [٤] : [بحر الطويل]
| لسانك غواص ، ولفظك جوهر | وصدرك بحر بالفضائل زاخر |
والله المسؤول أن يرفع قدر مقالك ومقام قدرك ، ويوضح منهاج الأدب بنور بدرك بمنه وكرمه ، إنه على كل شيء قدير.
وكتب قاضي القضاة تاج الدين السبكي ، رحمه الله تعالى! في تقريظ الكتاب المذكور ما نصه : الحمد لله وحده ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، حدقت نحو الحدائق ، وفوّقت سهمي تلقاء الغرض الشائق ، وطرقت إلى ما يضيء أخا الحجى أسهل الطرائق ، فما علّل صداي كنسيم الصبا ، ولا كمثله سهما صائبا صبابه من لا صبا [٥] ، ولا نظرت نظيره حديقة تنبت فضة وذهبا : [بحر مجزوء الكامل]
| وتجيء من ملح الكلا | م بطارف أو تالده | |
| كلم نوابغ نحو آ | فاق المطالع صاعده | |
| لو رامها قسّ لما | ألفى أباه ساعده | |
| أبدى نتائج عيّه | في ذي المعاني الشارد |
فعين الله تعالى عليها كلمات عليها منه رقيب ، ومحاسن تسلى عندها بالحسن حبيب ، وفوائد حسان يذكرنا بها حسان البعيد حسن القريب ، كتبه عبد الوهاب [بن][٦] السبكي ، انتهى.
[١] في ه : «نسخ قلمه».
[٢] الشنوف : جمع شنف ، وهي حلية تعلق في أعلى الأذن.
[٣] في ه : يطيب.
[٤] الوابل : المطر الشديد. والطلّ : المطر الخفيف الضعيف.
[٥] في ب ، ه : «صابه من لا صبا».
[٦] هذه الكلمة ساقطة من ب ، ه.