نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٨ - أقوال الشعراء في دمشق
قلت : كل ما ذكر رحمه الله تعالى في وصف دمشق الشام وأهلها فهو في نفس الأمر يسير ، ومن ذا يروم [١] عدّ محاسنها التي إذا رجع البصر فيها انقلب وهو حسير [٢] ، وقد أطنب الناس فيها ، وما بقي أكثر مما ذكروه ، وقد دخلتها أواخر شعبان من سنة سبع وثلاثين وألف للهجرة ، وأقمت بها إلى أوائل شوال من السنة ، وارتحلت عنها إلى مصر وقد تركت القلب فيها رهنا ، وملك هواها مني فكرا وذهنا ، فكأنها بلدي التي بها ربيت ، وقراري الذي لي به أهل وبيت ، لأن أهلها عاملوني بما ليس لي بشكره يدان ، وها أنا إلى هذا التاريخ لا أرتاح لغيرها من البلدان ، ولا يشوقني ذكر أرض بابل ولا بغدان [٣] ، فالله سبحانه تعالى يعطّر منها بالعافية الأردان.
وقد عنّ لي [٤] أن أذكر جملة مما قيل فيها من الأمداح الرائقة ، وأسرد ما خاطبني به أهلها من القصائد الفائقة ، فأقول :
قال البدر بن حبيب [٥] : [بحر الكامل]
| يمّم دمشق ومل إلى غربيها | والمح محاسن حسن جامع يلبغا | |
| من قال من حسد رأيت نظيره | بين الجوامع في البلاد فقد لغا |
وقال في كتاب «شنف السامع ، بوصف الجامع» [بحر الكامل].
| لله ما أحلى محاسن جلّق | وجهاتها اللّاتي تروق وتعذب | |
| بيزيد ربوتها الفرات وجنكها | يا صاح كم كنّا نخوض ونلعب |
وقال فيه أيضا : [بحر الرجز]
| لله ما أجمل وصف جلّق | وما حوى جامعها المنفرد | |
| قد أطرب الناس بصوت صيته | وكيف لا يطرب وهو معبد |
وقال في ذكر باب الجامع المعروف بالزيادة : [بحر الكامل]
| يا راغبا في غير جامع جلق | هل يستوي الممنوع والممنوح |
[١] يروم : يطلب.
[٢] الحسير : المتعب المعين.
[٣] بغدان : لغة في بغداد.
[٤] عنّ لي : خطر لي ، عرض لي.
[٥] البدر بن حبيب : هو بدر الدين الحسن بن حبيب الحلبي المتوفى سنة ٧٧٩ (انظر الدرر الكامنة ج ٢ ص ٢٩).