نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٦٤ - أبو جعفر الإلبيري
وقال رحمه الله تعالى في هذا الشرح بعد كلام ما نصه : وإذا أردت أن تنظر إلى تفاوت درجات الكلام في هذا المقام فانظر إلى إسحاق الموصلي : كيف جاء إلى قصر مشيد ، ومحل سرور جديد ، فخاطبه بما يخاطب به الطلول البالية ، والمنازل الدارسة الخالية ، فقال :
يا دار غيّرك البلى ومحاك
فأحزن في موضع السرور ، وأجرى كلامه على عكس الأمور ، وانظر إلى قول القطامي : [بحر البسيط]
| إنا محيوك فاسلم أيها الطلل | وإن بليت وإن طالت بك الطّيل [١] |
فانظر كيف جاء إلى طلل بال ، ورسم خال ، فأحسن حين حياه ، ودعا له بالسلامة ، كالمبتهج برؤية محيّاه ، فلم يذكر دروس الطلل وبلاه ، حتى آنس المسامع بأوفى التحية وأزكى السلامة ، والذي فتح هذا الباب ، وأطنب فيه غاية الإطناب ، صاحب اللواء ، ومقدم الشعراء [٢] ، حيث قال : [بحر الطويل]
| ألا عم صباحا أيها الطلل البالي | وهل يعمن من كان في العصر الخالي | |
| وهل يعمن إلا سعيد مخلد | قليل هموم ما يبيت بأوجال |
قيل : وهذا البيت الأخير يحسن أن يكون من أوصاف الجنة ، لأن السعادة والخلود وقلة الهموم والأوجال لا توجد إلا في الجنة ، انتهى.
وقال رحمه الله تعالى عند رحيله من غرناطة وأعلام نجد تلوح ، وحمائمه تشدو على الأيك وتنوح : [بحر الطويل]
| ولما وقفنا للوداع وقد بدت | قباب بنجد قد علت ذلك الوادي | |
| نظرت فألفيت السبيكة فضة | لحسن بياض الزهر في ذلك النادي | |
| فلما كستها الشمس عاد لجينها | لها ذهبا فاعجب لإكسيرها البادي [٣] |
والسبيكة : موضع خارج غرناطة.
وقال رحمه الله : [بحر الخفيف]
| هذه عشرة تقضّت وعندي | من أليم البعاد شوق شديد |
[١] الطّيل والطّول واحدة ، وهو الحبل الطويل يربط في وتد ويطول للدابة لترعى.
[٢] صاحب اللواء ومقدم الشعراء هو امرؤ القيس ، وأشار هنا إلى الحديث الشريف «امرؤ القيس حامل لواء الشعراء إلى النار».
[٣] اللجين : الفضة.