نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٥٨ - شرف الدين بن ريان يقرّظ كتاب نسيم الصبا
| كم فن معنى بها يذكرني | شجوي لشدو الحمام في فنن | |
| فمن نسيب مع النسيم جرى | لطفا فأزرى بالجوهر الثمن | |
| وحسن سجع كالزهر في أفق | والزهر في ناعم من الغصن | |
| له معان أعيت مداركها | كل معان بنيلهن عني [١] | |
| لا زال راق للمجد راقمها | ذا سنن حاز أحسن السنن |
فصول ، هي للحسن أصول ، وشمول ، لها على كل القلوب شمول ، ليس لقدامة على التقدم إليها حصول ، ولا لسحبان لأن يسحب ذيلها وصول ، ولا انتهى قسّ الإيادي [٢] ، إلى هذه الأيادي ، ولا ظفر بديع الزمان ، بهذه البدائع الحسان ، لقد قصر فيها حبيب [٣] عن ابنه ، وحار بين لطافة فضله وفضل ذهنه ، نزهت في طرف خمائلها ، ونبهت بلطف شمائلها ، تالله إنها لسحر حلال ، وخلال ما مثلها خلال ، كلام كله كمال ، ومجال لا يرى فيه إلا جمال ، راقم بردها ، وناظم عقدها ، في كل فصل ، جاء بكمال فضل ، وفي كل معنى ، عمر بالبراعة مغنى ، أعرب فأغرب ، وأوجر فأعجز ، وأطال فأطاب [٤] ، وأجاد حين أجاب ، فما أنفس فرائده ، وأنفع فوائده ، وأفصح مقاله ، وأفسح مجاله ، وأطوع للنظم طباعه ، وأطول في النثر باعه ، أزاهر نبتت في كتاب ، وجواهر تكوّنت من ألفاظ عذاب ، ومواهب لا تدرك بيد اكتساب ، فسبحان من يرزق من يشاء بغير حساب ، فصول أحلى في الأفواه من السهد [٥] ، وأشهى إلى النواظر من النوم بعد السّهد ، سبك أدبها [٦] في قالب النكت الحسان ، وذهب بمحامد عبد الحميد ومحاسن حسّان ، فما أحقها أن تسمى فصول الربيع ، وأصول البديع ، لا زال حسنها يملأ الأوراق بما راق ، ويزين الآفاق بما فاق ، ولا برحت حدائق براعته نزهة للأحداق ، وحقائق بلاغته في جيد الإجادة بمنزلة الأطواق ، بمن الله تعالى وكرمه ، انتهى.
وحيث جرى ذكر كتاب «نسيم الصبا» فلا بأس أن نذكر تقاريظ العلماء له ، فمن ذلك قول القاضي شرف الدين بن ريان : وقفت على هذا الكتاب الذي أبدع فيه مؤلفه ، ونظم فيه الجواهر النفيسة مصنفه ، وأينعت حدائق أدبه فدنا ثمرها لمن يقطفه ، وعرفت مقدار ما فيه من
[١] معان : جمع معنى. ومعان : اسم فاعل من عانى يعاني.
[٢] في ب : «لهذه الأيادي».
[٣] حبيب : هو أبو تمام الطائي. وابنه هنا ابن حبيب الحلبي صاحب كتاب نسيم الصبا الذي يقرضه الشاعر.
[٤] أطاب : جاء بما هو طيب.
[٥] السّهد : الأرق.
[٦] في ب ، ه : «سكب أدبها».