نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٤٩ - أبو العلاء صاعد بن الحسين البغدادي
فاستغربت له يومئذ تلك البديهة في مثل ذلك الموضع ، وكتبها المنصور بخطّه ، وكان إلى ناحيته من تلك السقائف سفينة فيها جارية من النوّار تجذف بمجاذيف من ذهب لم يرها صاعد ، فقال له المنصور : أحسنت ، إلّا أنك أغفلت ذكر المركب والجارية ، فقال للوقت :
| وأعجب منها غادة في سفينة | مكلّلة تصبو إليها المهاتف [١] | |
| إذا راعها موج من الماء تتّقي | بسكّانها ما أنذرته العواصف | |
| متى كانت الحسناء ربّان مركب | تصرّف في يمنى يديه المجاذف | |
| ولم تر عيني في البلاد حديقة | تنقّلها في الراحتين الوصائف | |
| ولا غرو أنشاقت معاليك روضة | وشتها أزاهير الرّبا والزخارف [٢] | |
| فأنت امرؤ لو رمت نقل متالع | ورضوى ذرتها من سطاك نواسف [٣] | |
| إذا قلت قولا أو بدهت بديهة | فكلني له إني لمجدك واصف [٤] | |
فأمر له المنصور بألف دينار ومائة ثوب ، ورتّب له في كل شهر ثلاثين دينارا ، وألحقه بالندماء.
قال : وكان شديد البديهة في ادّعاء الباطل ، قال له المنصور يوما : ما الخنبشار؟ قال : حشيشة يعقد بها اللبن ببادية الأعراب ، وفي ذلك يقول شاعرهم : [بحر الوافر]
| لقد عقدت محبّتها بقلبي | كما عقد الحليب الخنبشار [٥] |
وقال له يوما ، وقد قدّم إليه طبق فيه تمر : ما التّمركل في كلام العرب؟ فقال : «يقال تمركل الرجل تمركلا» إذا التفّ في كسائه. وكان مع ذلك عالما.
قال : وكان لابن أبي عامر فتى يسمّى فاتنا أوحد لا نظير له في علم كلام العرب ، فناظر صاعدا هذا فقطعه وظهر عليه وبكّته ، فأعجب المنصور منه ، فتوفي فاتن هذا سنة ٤٠٢ ، وبيعت في تركته كتب مضبوطة جليلة مصحّحة ، وكان منقادا لما نزل به من المثلة فلم يتّخذ النساء كغيره ، وكان في ذلك الزمان بقرطبة جملة من الفتيان المخانيث ممّن أخذ بأوفر نصيب من الأدب.
[١] في الذخيرة «المهايف».
[٢] لا غرو : لا عجب.
[٣] متالع ورضوى : جبلان. والنواسف : جمع ناسفة ، وهي اسم فاعل من نسف ، أي قلع.
[٤] كلني : اتركني.
[٥] في ب : «كما عقد الحليب بخنبشار».