نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٩٨ - الجارية العجفاء المغنية
اللّحمة وبقي السّدى ، وقد حشيتا بالليف ، وكرسيّان قد تفكّكا من قدمهما ، ثم اطلعت علينا عجفاء كلفاء ، عليها قرقل هرويّ أصفر غسيل ، وكأنّ وركيها في خيط من وسخها ، فقلت لأبي السائب : بأبي أنت! ما هذه فقال : اسكت ، فتناولت عودا فغنّت [١] : [بحر الكامل]
| بيد الذي شغف الفؤاد بكم | تفريج ما ألقى من الهمّ [٢] | |
| فاستيقني أن قد كلفت بكم | ثم افعلي ما شئت عن علم | |
| قد كان صرم في الممات لنا | فعجلت قبل الموت بالصرم |
قال : فتحسّنت في عيني ، وبدا ما أذهب الكلف عنها ، وزحف أبو السائب وزحفت معه ، ثم تغنّت : [بحر الكامل]
| برح الخفاء فأيّما بك تكتم | ولسوف يظهر ما تسرّ فيعلم | |
| ممّا تضمّن من عزيز قلبه | يا قلب إنك بالحسان لمغرم | |
| يا ليت أنّك يا حسام بأرضنا | تلقي المراسي طائعا وتخيّم | |
| فتذوق لذة عيشنا ونعيمه | ونكون إخوانا فماذا تنقم |
فقال أبو السائب : إن يقم هذا فأعضّه الله تعالى بكذا وكذا من أبيه ، ولا يكني ، فزحفت مع أبي السائب حتى فارقنا النمرقتين ، وربت العجفاء في عيني كما يربو السويق بماء مزنة ، ثم غنّت : [بحر المنسرح]
| يا طول ليلي أعالج السّقما | إذ أدخل كلّ الأحبّة الحرما [٣] | |
| ما كنت أخشى فراقكم أبدا | فاليوم أمسى فراقكم عزما |
فألقيت طيلساني ، وأخذت شاذكونة [٤] فوضعتها على رأسي ، وصحت كما يصاح على اللوبيا بالمدينة ، وقام أبو السائب فتناول ربعة في البيت فيها قوارير ودهن ، فوضعها على رأسه ، وصاح صاحب الجارية وكان ألثغ : قوانيني ، يعني قواريري ، فاصطكّت القوارير وتكسّرت ، وسال الدهن على رأس أبي السائب وصدره ، وقال للعجفاء : لقد هجت لي داء قديما ، ثم
[١] الشعر لأبي صخر الهذلي. انظر الأغاني ج ٢٣ ص ٢٨٢.
[٢] في أ«بيد الذي شعف» ، بالعين المهملة ، وكلاهما صحيح.
[٣] أعالج السقما : أداوي المرض.
[٤] الشاذكونة : المضربة الكبيرة.