نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٥٦ - شيء من أخبار المنصور بن أبي عامر
بإعانته على ولاية هشام ، وقتل المغيرة. ثم سخط السلطان على المصحفي وأولاده وأهله وأسبابه وأصحابه ، وطولبوا بالأموال ، وأخذوا برفع الحساب لما تصرّفوا فيه ، وتوصّل ابن أبي عامر بذلك إلى اجتثاث أصولهم وفروعهم ، وكان هشام ابن أخي المصحفي قد توصّل إلى أن سرق من رؤوس النصارى التي كانت تحمل بين يدي ابن أبي عامر في الغزاة الثالثة ليقدم بها على الحضرة ، وغاظه ذلك منه ، فبادره بالقتل في المطبق قبل عمّه جعفر المصحفي ، فما استقصى [١] ابن أبي عامر مال جعفر حتى باع داره بالرصافة ، وكانت من أعظم قصور قرطبة ، واستمرّت النكبة عليه سنتين [٢] ، مرّة يحتبس ومرّة يترك ومرة يقرّ بالحضرة ومرّة ينفر عنها ، ولا براح له من المطالبة بالمال ، ولم يزل على هذا الحكم حتى استصفي ، ولم يبق فيه محتمل ، واعتقل في المطبق بالزهراء إلى أن هلك ، وأخرج إلى أهله ميتا ، وذكر أنه سمّه في ماء شربه ، قال محمد بن إسماعيل : سرت مع محمد بن مسلمة إلى الزهراء لنسلّم جسد جعفر بن عثمان إلى أهله بأمر المنصور ، وسرنا إلى منزله فكان مغطّى بخلق كساء [٣] لبعض البوّابين ألقاه على سريره ، وغسل على فردة باب اختلع من ناحية الدار ، وأخرج وما حضر أحد جنازته سوى إمام مسجده المستدعى للصلاة عليه ومن حضر من ولده ، فعحبت من الزمان ، انتهى.
وما أحسن عبارة المطمح عن هذه القضية إذ قال : قال محمد بن إسماعيل كاتب المنصور : سرت بأمره لتسليم جسد جعفر إلى أهله وولده ، والحضور على إنزاله في ملحده [٤] ، فنظرته ولا أثر فيه ، وليس عليه شيء يواريه ، غير كساء خلق لبعض البوّابين ، فدعا له محمد بن مسلمة بغاسل فغسله والله على فردة باب اقتطع من جانب الدار ، وأنا أعتبر من تصرّف الأقدار ، وخرجنا بنعشه إلى قبره وما معنا سوى إمام مسجده المستدعى للصلاة عليه ، وما تجاسر [٥] أحد منّا للنظر إليه ، وإن لي في شأنه لخبرا ما سمع بمثله طالب وعظ ، ولا وقع في سمع ولا تصوّر في لحظ ، وقفت له في طريقه من قصره ، أيام نهيه وأمره ، أروم أن أناوله قصّة [٦] ، كانت به مختصّة ، فو الله ما تمكّنت من الدنوّ منه بحيلة لكثافة موكبه ، وكثرة من حفّ به ، وأخذ الناس السّكك عليه وأفواه الطرق داعين ، ومارّين بين يديه وساعين ، حتى ناولت قصّتي بعض كتّابه الذين نصبهم جناحي موكبه لأخذ القصص ، فانصرفت وفي نفسي ما فيها من
[١] كذا في أي. وفي ب ، ج «فلما استقصى ابن أبي عامر مال جعفر حتى باع داره بالرصافة».
[٢] في ب : «سنين».
[٣] الخلق : البالي.
[٤] ملحده : قبره.
[٥] تجاسر : قوي.
[٦] قصة : ورقة يكتب فيها ظلامة ونحوها.