نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٣٢ - أبو بكر بن عطية
ويقيد شوارد المعاني وغرائبها ، لاستضلاعه بالأدب الذي أحكم أصوله وفروعه ، وعمر برهة من شبيبته ربوعه ، وبرز فيه تبريز الجواد المستولي على الأمد ، وجلّى عن نفسه به كما جلى الصقال عن النصل الفرد [١] ، وشاهد ذلك ما أثبته من نظمه الذي يروق جملة وتفصيلا ، ويقوم على قوة العارضة دليلا ، فمن ذلك قوله يحذر من خلطاء الزمان ، وينبه على التحفظ من الإنسان : [بحر الرمل]
| كن بذئب صائد مستأنسا | وإذا أبصرت إنسانا ففر | |
| إنما الإنسان بحر ما له | ساحل فاحذره إياك الغرر [٢] | |
| واجعل الناس كشخص واحد | ثم كن من ذلك الشخص حذر |
وله في الزهد : [بحر الرمل]
| أيها المطرود من باب الرضا | كم يراك الله تلهو معرضا | |
| كم إلى كم أنت في جهل الصبا | قد مضى عمر الصبا وانقرضا | |
| قم إذا الليل دجت ظلمته | واستلذّ الجفن أن يغتمضا [٣] | |
| فضع الخد على الأرض ونح | واقرع السّنّ على ما قد مضى |
وله في هذا المعنى : [مخلع البسيط]
| قلبي يا قلبي المعنّى | كم أنا أدعى فلا أجيب | |
| كم أتمادى على ضلال | لا أرعوي لا ولا أنيب [٤] | |
| ويلاه من سوء ما دهاني | يتوب غيري ولا أتوب | |
| وا أسفى كيف برء دائي | دائي كما شاءه الطبيب | |
| لو كنت أدنو لكنت أشكو | ما أنا من بابه قريب | |
| أبعدني منه سوء فعلي | وهكذا يبعد المريب | |
| ما لي قدر وأي قدر | لمن أخلّت به الذنوب |
وله في هذا المعنى أيضا : [بحر الكامل]
[١] الفرد : الذي لا مثيل له.
[٢] الغرر : التعرض للهلاك.
[٣] دجت ظلمته : أظلمت كثيرا. والدجى : الظلمة.
[٤] لا أرعوي : لا أرجع.