نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٤ - ابن سعيد
حتى كأنه يخبر مساحات الأرض ، ذات الطول والعرض ، ويجوب أهوية الأقاليم السبع ، خارجا بما أدخله فيه اللجاج عن السمع [١] ، فكأنه خليفة الإسكندر ، لكن ما يجيش من هموم الغربة بفكري قائمة مقام الجيش والعسكر ، جزت إلى بر العدوة من الغرب الأقصى ، ثم تشوقت نفسي فطمحت [٢] إلى مشاهدة الغرب الأوسط فلاقيت فيما بينهما من المسافة من المشاق ما لا يحصى [٣] ، ثم تشوقت إلى إفريقية درب بلاد الشرق ، فاستشعرت من هنالك ما بينها وبين بلادي من الفرق ، واختطفت من عيني تلك الطلاوة ، وانتزعت من قلبي تلك الحلاوة : [بحر الطويل]
| فلله عين لم تر العين مثلها | ولا تلتقي إلا بجنّات رضوان |
ثم نازعتني النفس التواقة [٤] إلى الديار المصرية ، فكابدت في البحر ما لا يفي بوصفه إلا المشاهدة [٥] إلى أن أبصرت منار الإسكندرية ، فيا لك من استئناف عمر جديد ، بعد اليأس من الحياة بما لقينا من الهول والتنكيد ، ثم صعدت إلى القاهرة قاعدة الديار المصرية ، لمعاينة الهرمين وما فيهما من المعالم الأزلية ، وعاينت القاهرة المعزية ، وما فيها من الهمم [العلية][٦] الملوكية ، غير أني أنكرت مبانيها الواهية [٧] ، على ما حوت من أولي الهمم العالية ، وكونها حاضرة العسكر الجرار ، وكرسيّ الملك العظيم المقدار ، وقلت : أصداف فيها جواهر ، وشوك محدق بأزاهر ، ثم ركبت النيل وعاينت تماسيحه ، وجزت بحر جدة وذقت تباريحه [٨] ، وقضيت الحج والزيارة ، وملت إلى حاضرة الشام دمشق والنفس بالسوء أمّارة ، فهنالك بعت الزيارة بالأوزار [٩] ، وآلت تلك التجارة إلى ما حكمت به الأقدار ، إذ هي كما قال أحد من عاينها : [بحر البسيط]
| أما دمشق فجنّات معجّلة | للطالبين بها الولدان والحور |
فلله ما تضمن داخلها من الحور والولدان ، وما زين به خارجها من الأنهار والجنان ، وبالجملة فإنها حمى تتقاصر عن إدراكها أعناق الفصاحة ، وتقصر عن مناولتها في ميدان الأوصاف كل راحة ، ولم أزل أسمع عن حلب ، أنها دار الكرم والأدب ، فأردت أن يحظى
[١] في ب ، ه : «عن الشرع».
[٢] في ب ، ه : فطمحت نفسي إلى مشاهدة الغرب الأوسط.
[٣] في ب : يحصر.
[٤] النفس التواقة : المشتاقة.
[٥] في ب ، ه : «إلا المشافهة».
[٦] ساقطة في ب.
[٧] الواهية : المتداعية.
[٨] التباريح : الآلام والمشاقّ.
[٩] الأوزار : جمع وزر ، وهو : الإثم والخطيئة.